في مصر، لم تعد الثانوية العامة مجرد مرحلة تعليمية تقليدية، بل أصبحت فترة موسومة بالقلق والإجهاد النفسي للطلاب وأسرهم، تحولت هذه الامتحانات إلى تحدٍ كبير تتجاوز فيه أهمية التحصيل العملي، حيث يُقاس نجاح الطلاب بمدى قدرتهم على مواجهة الضغط النفسي الهائل.
في الامتحانات الأخيرة لمواد مثل اللغة العربية والكيمياء، أظهرت المشكلات المتعلقة بمستوى الأسئلة وجود أزمة حقيقية داخل النظام التعليمي، متمثلة في حالات انتحار وإغماء بين الطلاب، مما أثار استياء واسعًا من قبل الطلاب وأولياء الأمور على حدٍ سواء، هذه الظواهر تعكس خللًا متجذرًا في إدارة العملية التعليمية.
السؤال المطروح هنا كيف يمكن لنظام تعليمي أن يجعل الامتحان مصدر خوف أعظم من الفشل؟ كيف لأسر مصرية أن تعيش موسم الثانوية العامة وكأنه حالة طارئة أو موسم حداد دائم؟ لقد أصبح النجاح مرتبطًا بقدرة نفسية هائلة أكثر من الاجتهاد العلمي نفسه.
إن الاستبدال المستمر للوزراء لن يحقق تأثيرًا ملموسًا على منظومة التعليم إذا لم يتواكب مع بناء نظام يعزز ثقة الطلاب بأنفسهم بدلًا من تغذيتهم بالخوف.
ومع تراكم الأزمات عامًا بعد عام، تصبح الحاجة إلى مراجعة شاملة للنظام التعليمي أكثر إلحاحًا، لأن التغاضي عن المشكلات القائمة من شأنه أن يهدد بانهيار المنظومة بأكملها.
لا ينبغي لوزارة التعليم أن تتحول إلى خصم عنيد مع الطلاب، ولا يجب استخدام الامتحانات كوسيلة لإظهار الهيمنة والسيطرة، بل يتعين أن تقوم سياسات التعليم على أساس العدالة في الفرص ووضوح المعايير، لضمان أن تكون الامتحانات وسيلة لقياس الفهم الفعلي للمواد.
رغم أن مصر تمتلك الكثير من الكفاءات والخبرات التعليمية، فإن تجاهل الأزمات المستمرة وغياب الحلول الجذرية يعمق التساؤلات حول مستقبل طلابنا، لأن فقدان الثقة في نظام التعليم يشكل خطرًا جسيما على مستقبل البلاد؛ فالتعليم هو أساس بناء الإنسان ومفتاح تطور الأمة.
لن نتمكن من بناء جمهورية قوية وعادلة ما لم نبدأ بتحسين النظام التعليمي والاعتراف بأهمية الطالب والعقل الذي يحمله، مقدمين الأمل بصورة تفوق القلق المتواصل.
لقد سئم المصريون من الوعود الفارغة والتجارب المستمرة غير المثمرة، وحان الوقت لاتخاذ قرارات جريئة تضع مصلحة الطالب في مقدمة الأولويات وتعيد توجيه التركيز إلى جوهر العملية التعليمية.
الأسر والطلاب عانوا كثيراً من الظلم والاستنزاف، ولا يمكن الاستهانة بمستقبل البلاد بسياسات تعليمية غير فعالة، نحن بحاجة ماسة إلى قرارات فعلية تعيد للإنسان مكانته في صميم العملية التعليمية وتبني مستقبلًا واعدًا يتماشى مع تطلعات الأمة.












