أعاد الرئيس عبد الفتاح السيسي، فتح أحد أهم الملفات على الساحة السياسية المصرية، وهو مستقبل الأحزاب ودورها في بناء الحياة السياسية، برسالة تؤكد أن الجمهورية الجديدة تحتاج إلى أحزاب سياسية قوية، تمتلك رؤية، وتصنع كوادر، وتكون شريكًا فاعلًا في مسيرة التنمية وصنع القرار.
الفجوة كبيرة بين عدد الأحزاب وحضورها في الشارع، فالحزب السياسي لا تُقاس قيمته بترخيصه أو مقره أو عدد بياناته، وإنما بقدرته على التواجد بين المواطنين، والاستماع إلى مشكلاتهم، وتقديم حلول واقعية لقضاياهم، وصناعة كوادر قادرة على المنافسة وخدمة المجتمع.
كثرة الأحزاب ليس عيبًا في حد ذاته، فالتعددية السياسية تمثل أحد مظاهر النضج الديمقراطي، لكن المشكلة أن بعضها تحول إلى كيانات هامشية دون قاعدة جماهيرية أو نشاط ميداني أو تأثير في الرأي العام، هنا يصبح العدد مجرد رقم، بينما تبقى الفاعلية هي المعيار الحقيقي.
في الهند، التي تُعد أكبر ديمقراطية في العالم من حيث عدد الأحزاب السياسية، توجد آلاف الأحزاب المسجلة، إلا أن التأثير الحقيقي يتركز في عدد محدود من الأحزاب الوطنية والإقليمية التي تمتلك قواعد جماهيرية وبرامج واضحة وقدرة على المنافسة.
الأمر ذاته يتكرر في دول ديمقراطية عديدة، حيث لا تقاس قوة النظام السياسي بعدد الأحزاب، وإنما بقدرتها على تمثيل المواطنين، وإعداد القيادات، وتقديم البدائل.
من هنا، فإن استعادة ثقة المواطنين في الأحزاب المصرية لن تتحقق عبر المؤتمرات أو البيانات الصحفية، بل من خلال العودة إلى الشارع، فالمواطن يريد حزبًا يشاركه همومه، ويدافع عن مصالحه، ويتفاعل مع قضاياه اليومية، ويقدم حلولًا قابلة للتطبيق، لا مجرد شعارات موسمية ترتبط بالاستحقاقات الانتخابية.
تمثل انتخابات المجالس المحلية المقبلة فرصة مهمة أمام الأحزاب لإثبات وجودها الحقيقي، باعتبارها المدرسة الأولى لإعداد القيادات السياسية، والجسر الأقرب بين المواطن والعمل العام.
وإذا أحسنت الأحزاب استثمار هذه الفرصة، ودفعت بكفاءات تمتلك النزاهة والكفاءة والقدرة على خدمة المجتمع، فإنها ستنجح في بناء جسور جديدة من الثقة مع المواطنين.
تأهيل الكوادر السياسية لم يعد رفاهية، بل ضرورة وطنية، فالحياة الحزبية لا يمكن أن تزدهر دون قيادات شابة مؤهلة تمتلك المعرفة، والقدرة على الحوار، وفهم التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وصياغة برامج تعكس احتياجات المجتمع، فالأحزاب القوية لا تُبنى بالشخصيات وحدها، وإنما بالمؤسسات التي تكتشف المواهب، وتصقلها، وتدفع بها إلى مواقع المسؤولية.
ربما تمثل التوجيهات التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن تنشيط الحياة الحزبية وتأهيل الكوادر السياسية فرصة تاريخية، وربما الأخيرة، أمام الأحزاب للخروج من حالة الجمود واستعادة دورها الوطني.
هذه التوجيهات لا ينبغي أن تُقابل ببيانات الترحيب، وإنما بخطوات عملية تبدأ بعقد جلسات تشاورية وورش عمل موسعة تضم قيادات الأحزاب وكوادرها والخبراء والمتخصصين، لإجراء مراجعة شاملة لتجربة العمل الحزبي، وصياغة رؤية وطنية لتطويره، والخروج بتوصيات قابلة للتنفيذ تُرفع إلى المؤسسة الرئاسية، بما يؤكد أن الأحزاب شريك جاد في مسيرة الإصلاح السياسي.
اليوم، تقف الأحزاب المصرية أمام فرصة تاريخية لإثبات أنها جزء أصيل من مشروع بناء الدولة الحديثة، وأنها قادرة على الانتقال من المشهد الرسمي إلى قلب الشارع، حيث تُصنع الثقة، وتولد الشرعية الشعبية، ويبدأ التأثير الحقيقي.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا












