حين تضيق الأرض بما رحبت، ويثقل القلب بما حمل، ويصبح الغد سؤالًا مفتوحًا على كل الاحتمالات، لا يجد الإنسان ملاذًا أرحب من السماء، ولا بابًا أوسع من باب الله.
نعيش أيامًا تتسارع فيها الأحداث حتى تكاد تسبق قدرتنا على الفهم، أخبار تتلاحق، وأزمات تتشابك، وقلوب أنهكها الانتظار، وأرواح تبحث عن قبس من الطمأنينة وسط عالم تتنازعه الحروب والمخاوف والقلق.
وكلما ظن الإنسان أنه أمسك بطرف الأمان، باغتته الدنيا بما يذكره أن الأمن الحقيقي ليس في كثرة الأسباب، وإنما في رعاية رب الأسباب.
في هذه الأوقات، ليس السؤال ماذا سيحدث غدًا؟ بل: مع من سيكون الله؟ من الذي لجأ إليه واعتمد على حمايته، وتعلق بآماله، وطرق بابه بثقة كاملة بأنه لن يرد أي طالب أو يخيب أمل من يتطلع إليه؟
يا مولانا.. تولَّنا، ما أجملها من كلمات، وما أعظمها من دعاء، ليست حروفًا ترددها الشفاه، وإنما روح تفر من ضيق الدنيا إلى سعة الله، ومن قسوة الواقع إلى رحمته، ومن ضعف البشر إلى قدرة الخالق.
تولَّنا إذا اضطربت الموازين، وتولَّنا إذا تكاثرت الفتن، وتولَّنا إذا عجزت العقول عن إدراك ما تخبئه الأيام، تولَّنا برحمتك التي وسعت كل شيء، وأكرمنا بلطفك الخفي الذي يغير الأقدار، ويصرف البلاء، ويبدل الخوف أمنًا، والحزن سكينة، والضيق فرجًا.
لقد علمتنا الحياة أن الإنسان مهما أوتي من قوة، يبقى ضعيفًا أمام قدر الله، وأن الأمم مهما بلغت من سلطان، فإنها لا تملك لأنفسها نفعًا ولا ضرًا إلا بما شاء الله.
ما أكثر ما رسم الناس للمستقبل خرائطهم، فإذا بالأقدار ترسم غيرها، وما أكثر من ظن أنه يملك زمام أمره، فإذا به يكتشف أن الأمر كله لله.
ولهذا، فإن النجاة ليست في قراءة المشهد السياسي وحده، ولا في متابعة نشرات الأخبار، ولا في حسابات القوة والمصالح، وإنما تبدأ من سجدة صادقة، ودمعة خاشعة، وقلب امتلأ يقينًا بأن الله إذا تولى عبدًا، كفاه، وحفظه، وألهمه، وفتح له من أبواب رحمته ما لا يخطر له على بال.
لا نتهرب من مسؤولياتنا ولا نشجع على تجاهل الأخذ بالأسباب، فالإسلام هو دين العمل والاجتهاد، نؤمن بأن اليد تعمل بينما القلب يتوكل، وأن الخطوات تسير على الأرض في حين تتعلق الأرواح برب السماء، من يجمع بين حسن السعي وحسن التوكل، لن يخسر حتى وإن تأخر الفرج، فوعود الله لا تتأخر.
كم نحن بحاجة اليوم إلى أن نخفف ضجيج الدنيا داخل أرواحنا، وأن نعيد للذكر مكانه، وللاستغفار حضوره، وللدعاء هيبته، فما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة ورحمة، وما طرق عبد باب ربه صادقًا إلا وجد عنده من اللطف ما يبدد وحشته، ومن السكينة ما يطفئ اضطرابه.
ولعل أجمل ما نختم به هذه الأيام المضطربة، أن نرفع أكفنا جميعًا، لا نفرق بين أنفسنا وأهلينا وأوطاننا وأمتنا، وأن نقول بقلب واحد اللهم يا مولانا، تولَّ أمرنا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، واحفظ بلادنا وعبادك، واكتب لنا من رحمتك نجاةً، ومن لطفك مخرجًا، ومن عفوك سترًا، ومن فضلك أمنًا وسلامًا.
إذا تولانا الله، فلن يضرنا اضطراب الدنيا، ولن تهزمنا المخاوف، ولن تكسرنا المحن، يكفينا أن يكون الله ولينا، فهو خير حافظًا، وهو أرحم الراحمين.













