بين «زوار الفجر» في ذاكرة الشعوب، و«أهل الثقة» في ذاكرة المؤسسات، تشابه يثير السخرية قبل أن يثير الألم، فكلاهما لا يحب الأبواب المفتوحة، ولا يعشق ضوء النهار، ولا يؤمن بالمنافسة العادلة.
الأول كان يطرق الأبواب قبل شروق الشمس، والثاني يطرق أبواب المناصب بعد غروب الكفاءة، زوار الفجر كانوا يأتون على حين غرة، يحملون أوامر جاهزة، ويغادرون ومعهم إنسان قد لا يعود كما كان.
أما أهل الثقة، فيصلون هم أيضًا على حين غرة، لكن ببدلات أنيقة وقرارات تعيين مختومة، ويغادرون بعد سنوات وقد تركوا مؤسسة لا تكاد تعرف نفسها، وموظفين فقدوا الأمل، وميزانيات أنهكها العبث.
كلاهما لا يسأل من الأجدر؟ بل يسأل: من الأقرب؟ الأول كانت مهمته تقييد الأفراد، والثاني كثيرًا ما يقيد المؤسسات بقيود الجهل والمحسوبية.
الأول يزرع الخوف في البيوت، والثاني يزرع الإحباط في المكاتب والمصانع والهيئات.
أهل الثقة لا يهبطون من السماء، لكنهم غالبًا يهبطون بالمظلات على مواقع لا تمت إلى خبراتهم بصلة، يتحول الطبيب إلى مدير مصنع، والمهندس إلى مسؤول إعلام، ومن لم يدر يومًا مؤسسة يصبح فجأة مسؤولًا عن آلاف الموظفين، لا لأن سيرته الذاتية قالت ذلك، بل لأن هاتفًا ما قال: «الرجل مضمون.»
وما إن يستقر المقعد تحت أقدامهم، حتى تبدأ رحلة إعادة اكتشاف العجلة. تتوقف المشروعات. وتتبدل الأولويات، وتُقصى الكفاءات لأنها تذكّر الجميع بأن هناك من هو أقدر، فيصبح النجاح تهمة، والخبرة عبئًا، والرأي المستقل خروجًا على النص.
المؤسسات لا تنهار بضربة واحدة، لكنها تذبل ببطء عندما تصبح الثقة بديلًا عن الكفاءة. والولاء بديلًا عن الخبرة، والمجاملة بديلًا عن الإنجاز.
وعندما يحدث ذلك، يصبح الموظف المجتهد غريبًا في مكان صنعه بعرقه، بينما يتصدر المشهد من لم يصنع سوى العلاقات.
وإذا كان القانون يعاقب من ينتحل صفة طبيب أو قاض أو ضابط لما يترتب على ذلك من أضرار جسيمة. فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ألا تستحق قضية إسناد قيادة المؤسسات لغير المؤهلين نقاشًا تشريعيًا جادًا يضع ضوابط صارمة للكفاءة والخبرة والشفافية؟ فالقضية ليست مجرد خطأ في الاختيار، بل قد تتحول إلى خسائر تدفع ثمنها مؤسسات كاملة وأجيال من العاملين بها.
حين يتولى غير المؤهل قيادة مؤسسة لا يعرف عنها شيئًا. فإنه لا ينتحل وظيفة بالمعنى القانوني، لكنه يتصرف وكأنه يمتلك خبرة لم يكتسبها وكفاءة لم يثبتها. بينما تكون المؤسسة هي حقل التجارب، ويكون الوطن هو من يسدد الفاتورة.
التاريخ لا يرحم، فالدول لا تسقط دائمًا بالحروب، بل قد تنهكها قرارات التعيين الخاطئة. والمؤسسات لا تُقتل بالرصاص، بل قد تُقتل بتوقيع على قرار، أو بمكالمة هاتفية، أو بمجرد عبارة: «عينوه.. إنه من أهل الثقة».
وحين ينتصر أهل الثقة على أهل الكفاءة، لا يكون الضحية موظفًا حُرم من حقه. ولا مؤسسة فقدت بوصلتها، بل وطنًا كاملًا يخسر مستقبله. فالثقة قيمة عظيمة إذا جاءت بعد الكفاءة، لكنها تتحول إلى آفة مدمرة إذا أصبحت بديلًا عنها. وعندها، لن نحتاج إلى انتظار زوار الفجر.. لأن أهل الثقة سيكونون قد أنجزوا المهمة في وضح النهار.












