هناك أشياء في حياة الدول لا يصح أن تُقاس بالمال وحده، لأنها في حقيقة الأمر لا تقدر بثمن، الأرض ليست مجرد مساحة يمكن حساب سعر المتر فيها، والميناء ليس مجرد رصيف للسفن، والقناة ليست مجرد مصدر للإيرادات، وشركات الطاقة والمرافق والاتصالات ليست مجرد أرقام في ميزانية الدولة، بعضها يمثل ذاكرة وطن، وبعضها يمثل حاضرَه، وبعضها الآخر قد يكون مفتاح مستقبله.
ولهذا فإن الحديث عن أصول الدولة السيادية يجب ألا يبدأ من سؤال، «كم ستدر هذه الأصول من المال؟»، وإنما من سؤال أكثر أهمية، ماذا تعني هذه الأصول لأمن الدولة وقدرتها على حماية مصالح مواطنيها؟
في الاقتصاد يمكن أن تكون هناك صفقة رابحة اليوم، لكنها ليست بالضرورة قرارًا رابحًا غدًا، وهنا تكمن خطورة النظر إلى بعض أصول الدولة بعقلية المحاسب وحده؛ فالمحاسب يرى القيمة الدفترية والعائد، بينما رجل الدولة مطالب بأن يرى ما هو أبعد من ذلك، الموقع، والسيطرة، والاستقلال، والقدرة على الحركة وقت الأزمات.
الدول لا تحافظ على أصولها الإستراتيجية لأنها لا تحتاج إلى المال، بل لأنها تعرف أن بعض الممتلكات تمنحها قوة لا يمكن شراؤها عندما تضيع.
الدول الكبرى؛ عندما تفتح أبوابها أمام الاستثمار الخاص، وتسمح لرؤوس الأموال الأجنبية بالدخول، فإنها تضع خطوطًا واضحة حول قطاعات تعتبرها حساسة أو إستراتيجية.
قد تسمح بالشراكة، وقد تسمح بالإدارة، وقد تبيع حصصًا في بعض الأنشطة، لكنها لا تتعامل مع كل ما تملكه باعتباره سلعة معروضة لمن يدفع أكثر، لأنها تعرف جيدًا أن الاقتصاد أحد أسلحة القوة، وأن السيطرة على بعض الأصول قد تعني في لحظة ما السيطرة على قرار أو قدرة أو مورد بالغ الأهمية.
مصر ليست دولة عادية في حسابات الجغرافيا والسياسة، موقعها، وقناة السويس، وموانئها، ومواردها، وشبكاتها الإستراتيجية، ومؤسساتها الحيوية، كلها عناصر تمنحها وزنًا يتجاوز حدود الاقتصاد المباشر.
وفي منطقة تعيش منذ سنوات على وقع الحروب والصراعات والتدخلات الخارجية، يصبح امتلاك الدولة لأوراق القوة مسألة أمن قومي قبل أن تكون مسألة استثمار.
وهذا لا يعني رفض الاستثمار أو الشراكة مع القطاع الخاص، على العكس، الدولة التي لا تستثمر أصولها ولا تطور إدارتها قد تتحول أصولها إلى عبء بدلًا من أن تكون مصدر قوة.
المطلوب ليس أن تبقى الأصول جامدة، وإنما أن تتحول إلى قيمة مضافة، وأن يأتي الاستثمار ليزيد قوتها لا ليُضعف سيطرة الدولة على ما لا يجوز أن تفقد السيطرة عليه.
الفارق كبير بين أن تستثمر الدولة أصلًا وبين أن تفقد الدولة أصلًا، الأولى إدارة ذكية للثروة، أما الثانية فقد تحقق خسائر لا تظهر آثارها في يوم توقيع العقد، وإنما تظهر عندما تتغير الظروف ويصبح الأصل الذي خرج من يد الدولة ورقة تحتاج إليها ولا تستطيع استعادتها.
الأمن القومي لا ينتظر الأزمات حتى يبدأ حساب الأخطاء، لذلك، فإن أي قرار يتعلق بأصل استراتيجي يجب أن يخضع لسؤالين متلازمين، ما العائد الاقتصادي؟ وما أثر القرار على استقلال الدولة وأمنها القومي؟ ولا يكفي أن تكون الصفقة جيدة ماليًا إذا كانت تكلفتها الإستراتيجية أكبر من عائدها.
المواطن البسيط ربما لا يعرف تفاصيل الأرقام والصفقات، لكنه يعرف شيئًا بالفطرة، أن بلده يجب أن تظل قادرة على حماية مواردها، وأن ما تركه الآباء لا ينبغي أن يضيع بسهولة من أجل حل أزمة عابرة.
الأزمات الاقتصادية تمر، والأسواق تتغير، والعملات ترتفع وتنخفض، لكن بعض الأصول تبقى، ولهذا فإن إدارة أصول الدولة تحتاج إلى عقل طويل النفس، لا إلى قرارات تحت ضغط اللحظة.
نحتاج إلى دولة تبيع عندما تكون هناك ضرورة حقيقية، وتشارك عندما تكون الشراكة أفضل، وتستثمر عندما يكون الاستثمار هو الطريق الصحيح، لكنها في كل الحالات تعرف أين تتوقف.
فليس كل ما يمكن بيعه ينبغي بيعه، وليس كل ما يمكن أن يدخل خزينة الدولة اليوم يستحق أن نخرج مقابله من خزينة المستقبل.
الدول الكبرى تفهم هذه المعادلة جيدًا؛ ولهذا تتمسك بأصولها الإستراتيجية، وتحمي قطاعاتها الحساسة، وتتعامل مع الملكية والسيطرة باعتبارهما جزءًا من قوتها الوطنية، لا مجرد بنود في ميزانية.
ومصر، وهي تواجه عالمًا مضطربًا وإقليمًا مشتعلًا، أحوج ما تكون إلى هذه الرؤية، نريد اقتصادًا قويًا، واستثمارًا حقيقيًا، وشراكة فاعلة مع القطاع الخاص، لكننا نريد في الوقت نفسه أن تظل مفاتيح الدولة الكبرى في يد الدولة.
لأن الوطن ليس شركة تبحث عن أعلى سعر للبيع، والأصل السيادي ليس قطعة عقار يمكن أن تنتهي قيمتها بمجرد توقيع عقد، هناك أصول إذا خرجت من يد الدولة، خرج معها جزء من قدرتها على المناورة، وجزء من استقلال قرارها، وربما جزء من أمنها.
لهذا يجب أن تكون القاعدة بسيطة وحاسمة: نبيع ما يمكن تعويضه، ونستثمر ما يمكن تطويره، ونشارك فيما تزيد الشراكة من قيمته، لكننا لا نفرط في أصل قد نحتاج إليه يومًا لحماية وطن بأكمله.
الأموال يمكن تعويضها، والصفقات يمكن تكرارها، والأسواق يمكن أن تتغير، أما السيادة إذا تآكلت، فلا توجد ميزانية في العالم تستطيع شراءها من جديد.












