إذا كانت المدارس جاهزة، فلماذا كشفت جولة واحدة ما أخفته عشرات التقارير؟ هناك تصريحات تصلح للبيانات الرسمية، وهناك حقيقة لا يمكن تزييفها عندما تفتح أبواب المدرسة ويدخل إليها الطلاب.
وقبل أيام، خرجت علينا الصورة الوردية المعتادة، مدارس الجمهورية تزينت وتجملت وارتدت أبهى صورها استعدادًا لاستقبال الطلاب، وكأن كل شيء اكتمل، وكل مشكلة حُلت، وكل مدرسة أصبحت نموذجًا يحتذى.
لكن يبدو أن هناك من نسي أن المدرسة ليست جدارًا يُطلى، ولا بوابة تُزيّن، ولا لافتة تُعلّق عليها عبارة «عام دراسي سعيد»، المدرسة مياه وصرف وكهرباء ومقاعد وفصول آمنة وبيئة تصلح لأن يقضي فيها أطفالنا يومهم.
وهنا جاءت المفاجأة، جولة لمحافظ القليوبية كشفت أن الصورة على الأرض ليست وردية إلى هذا الحد، مدارس تعاني من مشكلات في المرافق، وأخرى تحتاج إلى تدخلات عاجلة، وواقع لا يتطابق مع الصورة التي يفترض أنها وصلت إلى المسؤولين قبل بدء الدراسة.
وهنا لا بد أن نسأل وزير التعليم بصراحة، من كان يكتب تقارير الجاهزية؟ ومن كان يراجعها؟ ومن كان يقول إن كل شيء على ما يرام؟ هل كانت الوزارة لا تعرف؟ أم أن المعلومات لم تصل إليها؟ أم أن التقارير التي صعدت إلى المكاتب المكيفة كانت أكثر جمالًا من المدارس التي تنتظر الأطفال؟
هذه ليست أسئلة للترف السياسي، هذه أسئلة مسؤولية، لأن الكارثة الحقيقية ليست أن تكون هناك مدرسة تحتاج إلى إصلاح، الكارثة أن تكون المدرسة بحاجة إلى الإصلاح، ويعرف المسؤولون ذلك، ثم تبدأ الدراسة، وبعدها فقط نكتشف الحقيقة.
والأكثر إيلامًا ما يتردد عن مديري مدارس حاولوا قبل الدراسة إصلاح مرافق مدارسهم عن طريق إداراتهم التعليمية، لكنهم فشلوا وتحملوا بأنفسهم أعباء الإصلاح، فإذا بهم بدلًا من أن يجدوا يدًا تساعدهم، يجد بعضهم نفسه أمام التوبيخ والمساءلة عندما حضرت الكاميرات، برفقة المحافظ لزوم الشو الإعلامي.
هنا انقلبت المعادلة، من يحاول إنقاذ مدرسته يصبح متهمًا، ومن فشل في توفير احتياجات المدرسة يختبئ خلف الأوراق، ومن كان يفترض أن يحاسب المسؤولين عن توفير الإمكانات، يبحث عن الحلقة الأضعف ليضع عليها المسؤولية.
إذا كان مدير المدرسة قد أخطأ، فليُحاسب، لكن قبل محاسبته، يجب أن نعرف، هل أعطيته المال؟ هل وفرت له الأدوات؟ هل استجبت لخطاباته؟ هل منحته الوقت والقدرة والسلطة حتى تصل المدرسة إلى الجاهزية؟
لا يمكن أن تطلب من مدير مدرسة أن يصلح مبنى بلا موارد، ثم تحاسبه وحده عندما تكتشف الكاميرات أن المبنى لم يُصلح، هذا ليس إصلاحًا للتعليم، هذا بحث عن كبش فداء.
ثم اشتعلت الأزمة على مواقع التواصل الاجتماعي، وكالعادة، عندما يغيب المسؤول عن المشهد، تتقدم السوشيال ميديا إلى الصف الأول، تحولت الواقعة إلى محكمة شعبية، أحكام تصدر، اتهامات تتطاير.
مدير مدرسة يصبح متهمًا في دقائق، ومسؤولون آخرون يصبحون أبطالًا في دقائق أخرى، والحقيقة تضيع بين الاثنين، لأن الصمت الرسمي لا يترك فراغًا فقط؛ بل يترك الفراغ لمن يريد أن يملأه بالشائعات.
وهنا تحديدًا يصبح صمت وزير التعليم علامة استفهام كبيرة، ليس المطلوب من الوزير أن يدافع عن الخطأ، وليس مطلوبًا منه أن يحمل أخطاء كل مدير مدرسة على كتفيه، لكن المطلوب أن يتحدث، أن يقول للمصريين ماذا حدث؟ من المسؤول؟ هل المدارس جاهزة بالفعل؟ وإذا كانت جاهزة، فكيف ظهرت هذه الوقائع؟ وإذا لم تكن جاهزة، فلماذا قيل إنها جاهزة؟
أما أن تظهر الأزمة، وتشتعل السوشيال ميديا، وتدخل الواقعة إلى كل بيت، ثم يظل الوزير صامتًا وكأن الأمر لا يعنيه، فهذه ليست إدارة أزمة، الصمت في موقع المسؤولية ليس دائمًا حكمة، أحيانًا يكون الصمت هو الذي يصنع الأزمة.
والأخطر أن القضية لم تعد قضية مدرسة في القليوبية، القضية أصبحت قضية ثقة، ثقة ولي الأمر في المدرسة، ثقة المدرس في الإدارة، ثقة المدير في الوزارة، وثقة المواطن في البيانات الرسمية.
ماذا يحدث عندما يقول المسؤول إن الأمور بخير، ثم يذهب مسؤول آخر إلى الموقع فيجد أن الأمور ليست بخير؟ من نصدق؟ هل نصدق البيان أم نصدق المدرسة؟ هل نصدق الصورة أم الواقع؟ هل نصدق التقارير أم عيون الطلاب وأولياء الأمور؟
يا سيادة الوزير.. التعليم ليس معرضًا لتجميل الصورة، ولا يجوز أن يصبح الهدف هو أن تبدو المدرسة جميلة يوم التصوير، بينما تعاني من أبسط مقومات التشغيل.
نحن لا نريد مدارس «متزينة» أمام الكاميرات، نريد مدارس آمنة وصالحة ومحترمة عندما تنطفئ الكاميرات، ولا نريد مدير مدرسة يُهان لأنه عجز عن إصلاح ما لم تمنحه الدولة أدوات إصلاحه.
نريد منظومة تبدأ فيها المحاسبة من أعلى السلم، لا من أسفله فقط، وإذا كان هناك مسؤول قصّر، فليحاسب، وإذا كان مدير مدرسة أخطأ، فليحاسب، لكن أيضًا، من أخفى الحقيقة؟ ومن كتب تقريرًا غير دقيق؟ ومن قال إن المدرسة جاهزة وهي ليست كذلك؟ هذه هي الأسئلة التي يجب أن تفتحها الوزارة الآن.
أما أن نغلق الملف بعقوبة مدير مدرسة، ونترك الأسئلة الأكبر بلا إجابة، فهذا لن يصلح مدرسة، ولن يعيد ثقة، ولن يمنع تكرار الواقعة، لا نريد حياة وردية في البيانات، نريد واقعًا ورديًا في المدارس.
الطفل الذي سيدخل المدرسة صباحًا لا يعرف شيئًا عن البيانات الرسمية، ولا يعنيه من صوّر الجولة، ولا من وقف أمام الكاميرا، هو يريد فقط أن يجد ماءً يشربه، وحمامًا صالحًا، وفصلًا آمنًا، ومقعدًا يجلس عليه، ومدرسة تليق بآدميته.
وإذا كانت هذه المطالب تبدو بسيطة، فالمصيبة أكبر، لأن الدولة التي تستطيع بناء المشروعات الكبرى، لا يجوز أن تقف عاجزة أمام إصلاح دورة مياه أو مقعد أو مرفق أساسي داخل مدرسة.
ابدأوا الدراسة عندما تكون المدارس جاهزة، لا عندما تصبح البيانات جاهزة، فالطلاب ليسوا جمهورًا في شو إعلامي، والمدارس ليست ديكورًا، والمسؤولية ليست صورة أمام الكاميرا.. الواقع لا يكذب، حتى لو كذبت التقارير.














