التاريخ ليس دفترًا نضع فيه التواريخ ونغلقه، ولا مجموعة من الصور القديمة نعود إليها في المناسبات الوطنية. التاريخ ذاكرة وطن، والذاكرة إذا اختُزلت أو جرى انتقاء ما يوافق الهوى منها، فإننا لا نكتب تاريخًا، وإنما نصنع رواية.
ما يشغلنا الآن هو، من يكتب التاريخ؟ ومن أي زاوية؟ ومن يملك حق تفسير ما حدث؟ ومن يحكم على الأشخاص والقرارات والمواقف؟
أهمية هذه الاستفهامات الآن، لأن مصر مرت خلال العقود الأخيرة بأحداث شديدة الخطورة والتأثير، بلغت ذروتها في ثورة 25 يناير 2011، ثم أحداث 30 يونيو 2013، وما تلاهما من سنوات صعبة، واجهت خلالها الدولة تحديات سياسية وأمنية واقتصادية وإقليمية، قبل أن تدخل في مرحلة واسعة من البناء والتعمير وتطوير البنية الأساسية والمشروعات القومية.
هذه السنوات لن يحسبها التاريخ بنفس المعايير، فهي ليست مجرد سنوات عابرة، إنها مرحلة ستظل حاضرة في كتب التاريخ، وسيأتي يوم يجلس فيه مؤرخون لا يعرفون أصحاب هذه المرحلة إلا من خلال ما تركوه خلفهم من وثائق وشهادات ومواقف وكلمات.
التاريخ لا يجوز أن يكون حكرًا على المنتصر، ولا على السلطة، ولا على المعارضة، ولا على الإعلام، ولا على أصحاب الصوت الأعلى، الدولة لديها وثائقها، والمؤسسات لديها أرشيفها، والصحافة لديها ما نشرته، والمواطن لديه ذاكرته، والسياسي لديه شهادته، والمسؤول لديه قراراته، والشارع لديه روايته، وكل هذه المصادر يجب أن تكون جزءًا من الصورة.
مصر تملك بالفعل ثروة ضخمة من الوثائق والأرشيفات؛ فالهيئة العامة للاستعلامات تشير إلى وجود أرشيف تاريخي يضم وثائق وصحفًا ومواد مرئية توثق جوانب واسعة من الحياة السياسية والاجتماعية المصرية، كما توجد مؤسسات متخصصة في توثيق تاريخ مصر المعاصر.
التحدي الحقيقي ليس فقط في وجود الوثائق، وإنما في كيف نقرأها ونضعها في سياقها؟ فوثيقة واحدة لا تصنع تاريخًا، وتصريح واحد لا يفسر حدثًا، وصورة واحدة لا تختصر مرحلة، نحن بحاجة إلى جمع الروايات المتعددة، ومقارنتها، وإعطاء كل حدث سياقه الكامل.
الحياد لا يعني أن نساوي بين الحقيقة والوهم، ولا أن نضع الخطأ والصواب في كفة واحدة، إنه يعني أن نبحث أولًا عن الحقيقة، ثم نترك الوثيقة والشهادة والوقائع والزمن يقولون كلمتهم.
لقد كانت 25 يناير حدثًا مفصليًا في تاريخ مصر، اختلف المصريون حول أسبابها ونتائجها، واختلفوا كذلك حول ما جرى بعدها.
وجاءت 30 يونيو في سياق شديد التعقيد، وخرج ملايين المصريين إلى الشوارع، وتدخلت القوات المسلحة، وبدأ فصل جديد من تاريخ الدولة المصرية، وتقدم الرواية الرسمية 30 يونيو باعتبارها لحظة فارقة لاستعادة الدولة ومواجهة أخطار داخلية وخارجية، لكن التاريخ الحقيقي لا يمكن أن يكتفي برواية واحدة.
سيسأل المؤرخ بعد سنوات، ماذا كان يشعر المواطن في يناير؟ ماذا كان يخشاه؟ ماذا كان يريد؟ لماذا خرج الناس في يونيو؟ كيف كان شكل الشارع؟ ماذا كانت تقول الأحزاب؟ ماذا كانت تقول الصحافة؟ كيف تصرفت مؤسسات الدولة؟ كيف كان موقف الجيش؟ ماذا حدث في الاقتصاد؟ وماذا كان موقف القوى الإقليمية والدولية؟
ثم ماذا جرى بعد ذلك؟ كيف واجهت مصر الإرهاب؟ كيف تعاملت مع الأزمة الاقتصادية؟ كيف بدأت مشروعات البنية الأساسية والعمران والتنمية؟ وما نتائج تلك السياسات؟
إن تاريخ هذه المرحلة يجب ألا يكون تاريخ 25 يناير وحدها، ولا تاريخ 30 يونيو وحدها، ولا تاريخ ما بعدهما وحده، إنه تاريخ متصل، والذين يريدون اختصار مرحلة كاملة في شعار واحد، أو شخص واحد، أو جماعة واحدة، يظلمون التاريخ قبل أن يظلموا أنفسهم.
وهنا نصل إلى القضية الأخطر، التاريخ لا يراقب ما حدث فقط، وإنما يراقب مواقف الذين كانوا جزءًا من الحدث، يسجل من قال ماذا، ومن صمت، ومن ثبت على موقفه حتى النهاية، ومن غيّر موقفه عندما تغيرت الظروف، ومن كان له وجه واضح يعرفه الناس، ومن امتلك ألف وجه، يرتدي لكل مرحلة وجهًا، ولكل سلطة خطابًا، ولكل ظرف موقفًا.
قد ينجح الإنسان في خداع الحاضر، قد ينجح في تبرير موقفه، قد يجد من يصفق له، لكن لا أحد يستطيع السيطرة على محكمة التاريخ، التي ستفتح يومًا ملفات الأشخاص كما ستفتح ملفات الأحداث، ستبحث في تصريحاتهم، ومقالاتهم، وخطبهم، ومواقفهم، وقراراتهم، وشهاداتهم.
ستقارن بين ما قالوه بالأمس وما قالوه اليوم، ستسأل، هل كان هذا موقفًا ثابتًا أم موقفًا يتغير بتغير الريح؟ ولهذا فإن مواقف الأشخاص وشهاداتهم ليست كلامًا عابرًا، إنها وثائق للمستقبل.
الكلمة التي يقولها المسؤول اليوم قد تصبح بعد سنوات جزءًا من كتاب تاريخ، والتغريدة التي يكتبها السياسي اليوم قد تصبح شهادة على موقفه، والمقال الذي يهاجم فيه قرارًا ثم يعود ليؤيده قد يصبح دليلًا على تحولاته، والشهادة التي يدلي بها شاهد على حدث كبير قد تساعد مؤرخًا بعد نصف قرن على فهم ما جرى.
قد تختلف الأحكام من مؤرخ إلى آخر، وقد تتغير التفسيرات مع ظهور وثائق جديدة، لكن المواقف نفسها تظل محفوظة، ولهذا لا يحتاج الإنسان إلى أن يشرح نفسه كثيرًا أمام المستقبل، مواقفه ستتكلم عنه.
يجب أن نوثق سنوات الاضطراب، يجب أن نوثق سنوات البناء، لا يمكن أن نكتب تاريخ مصر المعاصر متجاهلين ما شهدته البلاد من مشروعات قومية وتوسع في البنية الأساسية والعمران وبرامج التنمية خلال السنوات التالية لـ2013، كما لا يجوز في المقابل أن تتحول كتابة هذه المرحلة إلى مجرد سجل إنجازات يخلو من الأسئلة والنقد.
التاريخ العادل يضع الإنجاز والتحدي في الصفحة نفسها، فالإنجاز لا يحتاج إلى تزوير، والنقد لا يحتاج إلى إنكار، وهنا تظهر قيمة المؤرخ الحقيقي، إنه لا يكتب ليُرضي السلطة، ولا ليُرضي خصومها.
مصر تحتاج إلى مشروع جاد لتوثيق تاريخها المعاصر، خصوصًا السنوات التي عاشها المصريون بأنفسهم، يجب أن نجمع الوثائق الرسمية، وأرشيف الصحافة، وشهادات المسؤولين، وشهادات المواطنين، وشهادات الشباب الذين كانوا في الميادين، وشهادات رجال الشرطة والجيش، وشهادات السياسيين، وشهادات المعارضين والمؤيدين، ليس بهدف محاكمة الماضي، وإنما بهدف فهمه.
إن ما حدث يجب ألا يُزوَّر، مصر أكبر من كل الروايات في النهاية، ستبقى مصر، سيرحل السياسيون، وتتغير الحكومات، وتتبدل التحالفات، وتختفي أسماء وتصعد أسماء أخرى، لكن الوطن سيبقى، وستبقى الكتب مفتوحة، وسيأتي جيل لا يعرفنا، لكنه سيقرأ ما تركناه وراءنا، وعن الانتصارات والانكسارات.
لهذا فإن أعظم خدمة يمكن أن نقدمها لمصر ليست أن نكتب تاريخًا جميلًا، وإنما أن نكتب تاريخًا حقيقيًا، تاريخًا يحتفظ بانتصاراتنا حتى نفخر بها، ويسجل انكساراتنا حتى نتعلم منها، تاريخًا لا يمحو خصومنا، ولا يقدس حلفاءنا، تاريخًا لا يصنع أبطالًا من ورق، ولا يحول الخصوم إلى شياطين، تاريخًا يترك الحكم للوثيقة، وللباحث، وللأجيال القادمة.
قد يستطيع أحدهم أن يربح معركة سياسية، وقد يستطيع آخر أن يفرض روايته على الإعلام، وقد يستطيع ثالث أن يغير مواقفه ألف مرة، لكن عندما تُغلق أبواب السياسة، وتختفي الأضواء، وتسقط الحسابات اليومية، تبقى هناك محكمة التاريخ، لا يستطيع أحد تعطيلها، ولا حصانة لأحد أمامها.. التاريخ لن ينسى صاحب الوجه الواحد، ولا أصحاب الألف وجه.












