من أغرب الأشياء في مصر التعامل مع الشكاوى.. فمنذ شكاوى الفلاح الفصيح مازال نفس النهج ونفس الطريقة في تعامل المسئولين مع شكاوى الناس وخصوصا الموظفين في الدولة والمؤسسات والهيئات التابعة لها.. وهو نموذج عقيم مر عليه آلاف السنين ويزيد من حالة الظلم والقهر.
فعندما يضطر موظف التقدم بشكوى ضد رئيسه في العمل بسبب شعوره بالاضطهاد أو توقيع جزاءات مبالغ فيها إلى الرئيس الأعلى يقوم الأخير بتحويل الشكوى إلى المشكو ضده وهنا يزيد من التنكيل الموظف الغلبان الذي كتب الشكوى والأغرب أن الرئيس الأعلى عندما يحيل الشكوى ينسى الأمر مما يوسع وتيرة الانتقام.
ونفس الأمر ينطبق على منظومة الشكاوى الحكومية فكل الشكاوى التي تقدم بسبب الاضطهاد في العمل تعود إلى المشكو ضده ودائما يكون الرد لصالحه ولا يعترف بخطئه ويحمل الموظف الغلبان المسئولية وأخرها كلمة «أصله بتاع مشاكل» وتعد المنظومة شكاوى كل شهر بألف وتفتخر الوزارات والهيئات بالاستجابة بردود روتينية لكن لا يذكر هل تم أنصاف المظلومين وكيف تم انصافهم من رؤسائهم ومن التحقيقات الوهمية التي تجري معه حتي يتم إدانته.
العالم كله تنبه الي هذه الأزمة وكنا طلبنا بإنشاء هيئة اسمها ديوان للمظالم أو أمين المظالم (Ombudsman) وهو مصطلح سويدي يعني «ممثل الشعب» وهو يرأس مؤسسة تتمتع بالاستقلال ويقدم خدمات تتسم بالسرية وعدم التحيز والاستقلالية لمعالجة النزاعات التي تحدث في أماكن العمل. ويحقق في كل الشكاوى من خلال مكتبه ويستدعي أطراف المشكلة وتكون قراراته نافذة فور صدورها.
وديوان المظالم أو أمين المظالم موجود في دول عديدة ومؤسسات كثيرة دوليا حتى في الأمم المتحدة هناك أمين مظالم يحقق في شكاوى الموظفين الأمميين وكذلك في الاتحاد الأوروبي وفي دول أوروبا ويكون له فروع في كل مؤسسة أو وزارة أو هيئة تابعة للدولة ويكون المقر الرئيسي له يتلقى شكاوى المواطنين المتضررين من المؤسسات الحكومية ومن تعنت هذه المؤسسات.
التحقيق المستقل في الشكاوى يعزز الثقة في النظام العام للدولة ويقلل من التقاضي الإداري والتأديبي مما يخفف عن كاهل القضاء الذين ينظرون مئات الآلاف من القضايا الخاصة بالجزاءات العمالية ويهدر الوقت والمال فهو نظام يعيد الثقة المفقودة في الحكومة لدى العاملين بها.
ويمكن تشكيل ديوان المظالم وتعيين امين مظالم من قبل رئيس الجمهورية من رجال القضاء السابقين الذين تقاعدوا ولم يعمل بالمحاماة أو يتم تعيينهم في وظائف حكومية أو في القطاع الخاص وهو لا يحتاج إلى قانون خاصة وأنه تم الأخذ به في مصر عقب ثورة يناير لكنه فشل بسبب عدم وجود دعم من الدولة وحالة الفوضى التي شهدتها تلك الفترة .
وإحياء هذا النظام سوف ينصف آلاف من الموظفين والعاملين في هيئات الدولة من الشعور بالظلم الوظيفي وبالتالي من الإصابة بالإحباط ولو نشر الموظف شكواه في وسائل الإعلام يتم معاقبته بتهمة إفشاء أسرار العمل.. اعتقد أنه آن الأوان أن يصدر قرار بإنشاء هذا الديوان وأن يعين له أمين ويكون له فروع في كل الوزارات والمؤسسات والهيئات وأن نشجع القطاع الخاص على أن يكون لديها مكاتب أيضا للمظالم.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا












