دول الشرق الأوسط، حتى وقت قريب، كانت تبني جزءًا كبيرًا من حساباتها بوضوح على من يضمن أمنها إذا اندلعت الحرب، أو تعرضت لنزاعات إقليمية تهدد حدودها أو أمنها الداخلي.
اليوم، ومع التغيرات الكبيرة والأحداث التي شهدها الشرق المتأزم، لم يعد الرهان على طرف واحد كافيًا بالنسبة إلى كثير من دول المنطقة، وبدأت توسع دوائر العلاقات الدفاعية والاقتصادية والسياسية في اتجاهات مختلفة، وكأن كل دولة تحاول أن تضع لنفسها أكثر من خطة بديلة قبل أن تقع الأزمة.
وشهدت المنطقة مؤخراً، توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك، والتي جمعت السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس الماضي، حيث أعلنت الدول الثلاث التزامًا باعتبار الهجوم المسلح على أي منها اعتداءً على الجميع، مع تأكيد أن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف دولة بعينها، ثم اجتمع قادتها العسكريون في الرياض لمتابعة ما اتفقوا عليه.
قراءة هذا الاتفاق باعتباره مجرد تحالف عسكري جديد قد تكون أضيق من المشهد، ما يتغير في المنطقة أعمق من ذلك، الدول لم تعد تبحث فقط عن شريك عسكري، إنها تبحث عن تنويع مصادر القوة، سلاح من هنا، استثمار من هناك، طريق تجاري بديل، تعاون أمني، وعلاقة سياسية تسمح بالحركة عندما تتغير موازين القوى.
وهذا يفسر أيضًا الاهتمام المتزايد بالممرات البحرية، فـ مضيق هرمز وباب المندب أثبتا خلال الأزمات الأخيرة أن الجغرافيا يمكن أن تتحول في لحظة إلى ورقة ضغط على الاقتصاد والطاقة والتجارة العالمية.
في سبتمبر، أعلنت الإمارات العمل على تطوير موانئ وخطوط أنابيب وطرق تجارية بديلة لتقليل اعتماد صادراتها على هرمز، هنا تظهر التحالفات التي لا نراها كاملة.
ليس المقصود بالضرورة اتفاقات سرية أو أحلافًا مخفية، وإنما شبكة من الاتصالات والتفاهمات والتنسيق والمصالح المتبادلة، بعضها معلن وبعضها لا تظهر تفاصيله للرأي العام.
هذه المنطقة أصبحت تتحرك بهذه الطريقة لأنها ببساطة لا تريد أن تضع مستقبلها كله في يد ضمان واحد.
حتى العلاقة بين دول الخليج نفسها تشهد محاولات لإعادة ترتيب الأولويات، زيارة نائب رئيس الإمارات إلى السعودية في سبتمبر، بعد فترة من التوتر بين البلدين، جاءت في وقت تواجه فيه المنطقة ضغوطًا أمنية متصاعدة، وأعادت فتح قنوات التعاون بين قوتين خليجيتين رئيسيتين.
لكن تنويع الشركاء له وجه آخر، عندما تتعدد العلاقات، تتعدد معها الحسابات، وقد تجد دولة نفسها مرتبطة بأطراف مختلفة في ملفات مختلفة، بحيث يصبح أي صدام إقليمي قادرًا على تحريك أكثر من شبكة في الوقت نفسه.
وهنا يصبح الخطر الحقيقي ليس في وجود التحالفات، وإنما في غياب قواعد إقليمية واضحة تنظم علاقتها ببعضها.
الشرق الأوسط يتجه، على ما يبدو، إلى مرحلة لا يمكن اختزالها في محورين متقابلين، المشهد أكثر سيولة، شراكات تتقاطع، خصومات تخف أحيانًا، قنوات اتصال تبقى مفتوحة، ومصالح اقتصادية قد تجمع أطرافًا تختلف سياسيًا.
قد يكون هذا الواقع أكثر مرونة للدول، لكنه يجعل إدارة الأزمات أصعب، لأن المنطقة عندما تتوزع فيها مراكز القوة، لا يكفي أن تعرف من يقف إلى جوارك، الأهم أن تعرف كيف تمنع كل هذه العلاقات من أن تتحول، عند أول انفجار، إلى سلسلة من ردود الفعل المتتابعة.
السؤال الأصعب في السنوات المقبلة، هل تستطيع دول الشرق الأوسط أن تبني شبكة أمان مشتركة، أم سيظل كل طرف منشغلًا ببناء شبكة أمانه الخاصة؟ فالتحالفات تستطيع أن تمنح الدول قوة تفاوضية أكبر، لكنها وحدها لا تصنع أمنًا إقليميًا.
الأمن يبدأ عندما تعرف الدول كيف تختلف دون أن تجعل اختلافاتها وقودًا لحرب جديدة.












