عاش العرب 53 عامًا على ذكرى نصر أكتوبر، لكن ماذا حدث طوال هذه السنوات؟
في أكتوبر نجحت مصر في تحطيم أسطورة العدو الذي لا يقهر، واسترد العرب كرامتهم، وأثبت المصريون أن ما أخذ بالقوة يمكن استرداده بالقوة، ثم عادت مصر لاحقًا لتسترد ما تبقى من أراضيها بالسلام، بعدما فرضت الحرب معادلة جديدة في المنطقة.
هذا هو الوجه الأول للحكاية، أما الوجه الآخر، فهو ما حدث للعرب بعد ذلك حتى يومنا هذا.
نجحت إسرائيل للأسف في إشعال الخلافات داخل المنطقة العربية، وبثت سمومها مستغلة كل ما يمكن من تناقضات سياسية ومذهبية وعرقية، وعقدت صفقات واتفاقات، بعضها ظهر إلى العلن وبعضها بقي بعيدًا عن الأضواء.
تحولت المنطقة مع الوقت إلى خريطة من الدم، أينما كانت هناك أزمة، كانت إسرائيل حاضرة بشكل أو بآخر، وأينما وجد خلاف عربي كان هناك من يحاول توسيعه والاستفادة منه.
الحقيقة التي يجب ألا نهرب منها أن المشكلة ليست في إسرائيل وحدها، المشكلة الأكبر في العرب أنفسهم، لقد وصلت الخلافات العربية -العربية في السنوات الأخيرة إلى حالة غير مسبوقة، مواقف تتغير، وتحالفات تتبدل، ورؤى لا تستمر طويلًا، حتى أصبح من الصعب أن تجد موقفًا عربيًا واحدًا تجاه قضية واحدة.
ضاعت مع تلك الصورة الضبابية أحلام كثيرة، تلاشت فكرة الوحدة العربية، وتراجع حلم القوة الاقتصادية المشتركة، ولم تعد القوة العسكرية العربية تعمل في اتجاه واحد، وانقسمت الخريطة العربية من المحيط إلى الخليج إلى مناطق نفوذ وصراعات وحسابات مختلفة.
الأخطر أن البعض هرول إلى تل أبيب بحثًا عن رضا إسرائيل وأمريكا، حتى لو كان الثمن مزيدًا من الضغط على الأشقاء، وباتت المصالح الشخصية والمكاسب الضيقة هي المتحكم الأول على طريقة، أنا والطوفان من بعدي.
هنا لا أتحدث عن دولة بعينها، ولا أريد تحويل المقال إلى اتهامات مباشرة، وإنما أتحدث عن ظاهرة أصبحت واضحة أمام الجميع.
المواطن العربي الذي كان يرى في إسرائيل عدوًا يحتل أرضًا عربية، أصبح يرى اليوم دولًا عربية تقيم معها علاقات وتنسق معها وتفتح أمامها أبوابًا كانت مغلقة لعقود.
في المقابل، يزداد الخلاف بين العرب أنفسهم، وهذه هي المفارقة التي تستحق أن نتوقف أمامها طويلًا.
كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟ كيف أصبحت الخلافات بين الأشقاء أكبر من قدرتنا على التفاهم؟ وكيف سمحنا لقوى من خارج المنطقة بأن يكون لها هذا الحجم من التأثير في قراراتنا وخلافاتنا؟
الأزمات التي يمر بها العالم العربي كثيرة، حدود مشتعلة، حروب، انقسامات مذهبية، عمليات إرهابية، صراعات على النفوذ، وتدخلات إقليمية ودولية.
لا يمكن إنكار أن هناك تخطيطًا خارجيًا واستغلالًا واضحًا لهذه الأزمات، لكن الخارج لا يستطيع وحده أن يمزق أي بيت إذا كان أهله متماسكين، وعلى قلب أمة واحدة، ووطن واحد.
ربما تكون الحقيقة الأكثر قسوة، لقد أعطينا الآخرين فرصة لأننا لم ننجح في حل خلافاتنا بأنفسنا، كل طرف يبحث عن حليف خارج البيت العربي، وكل أزمة تجد من يستثمر فيها، وكل خلاف صغير يمكن أن يتحول في لحظة إلى أزمة كبيرة.
بعد 53 عامًا من أكتوبر، يجب أن نسأل أنفسنا بصدق، هل تعلمنا فعلًا من درس أكتوبر؟ مصر عبرت لأن هناك قرارًا وإرادة وتنسيقًا وإيمانًا بأن المستحيل يمكن كسره.
ماذا ينقص العرب اليوم؟ الإمكانات موجودة، والثروات موجودة، والموقع موجود، والقوة البشرية موجودة، والجيوش موجودة.
الذي ينقصنا هو أن نعرف كيف نختلف دون أن نتحول إلى أعداء، أن نعرف أن أمن أي دولة عربية لا يمكن أن يبنى على حساب أمن دولة عربية أخرى.
وأن نفهم أن الاستقواء بالخارج على الشقيق قد يكسب معركة قصيرة، لكنه يخسر المنطقة كلها على المدى البعيد.
أكتوبر لم يكن مجرد انتصار عسكري مصري، كان رسالة للعرب جميعًا، والرسالة ما زالت قائمة بعد 53 عامًا، حين يتوحد العرب يستطيعون تغيير المعادلة، وحين ينقسمون يتركون الآخرين يرسمون مستقبلهم.
والسؤال الآن ليس ماذا فعلنا في أكتوبر 1973؟، وإنما ماذا فعلنا منذ أكتوبر حتى اليوم؟
التاريخ لا يرحم الشعوب التي تكتفي بتذكر انتصاراتها القديمة، بينما تسمح لخلافاتها الجديدة بأن تسرق منها المستقبل.












