إسرائيل أشعلت الحرب بين العرب من دون أن تطلق رصاصة واحدة، استخدمت سلاح الفتنة، وتركت الأشقاء يتبادلون الاتهامات. وجلست تراقب من بعيد كيف تتحول الشائعة إلى عداوة، والخلاف إلى كراهية، والغضب إلى معركة عربية ـ عربية.
الأمر خطير يستحق اليقظة والتوقف، هذه ليست مجرد لعبة على مواقع التواصل، بل خطر يستحق أن تتعامل معه الشعوب العربية بجدية.
حين يصبح الكذب أسرع من الحقيقة، وحين يُستدرج شعب إلى كراهية شعب شقيق بسبب خبر مجهول أو مقطع مجتزأ، تكون هناك فرصة ثمينة أمام كل من يريد إضعاف العرب من الداخل.
أيقنت إسرائيل أن المجتمعات التي تستنزفها خلافاتها تصبح أقل قدرة على حماية مصالحها ومواجهة الأخطار المحيطة بها، وأن تفكيك الجبهة العربية لم يعد يتطلب دائمًا مواجهة عسكرية مباشرة.
وتأكدت أن معركة الوعي، وما يرتبط بها من تضليل وشائعات ومحاولات لإثارة الفتن، لا تقل أهمية عن المعارك التي تدور على الأرض.
عقب اشتعال أزمة في المنطقة تتكاثر الروايات المتناقضة، وتنتشر اتهامات لا يعرف أحد مصدرها، وتخرج تصريحات ومقاطع من سياقها لتبدو وكأنها دليل قاطع على عداء هذه الدولة أو تلك.
وينصرف الاهتمام عن أصل الأزمة، ويبدأ تبادل الشتائم والتخوين، ويجد مواطنون عرب أنفسهم في مواجهة أشقائهم، بينما تتراجع القضية الأساسية وسط صراخ وعويل لا ينتهي.
وتؤتي المكائد والفتن ثمارها؛ أن ينشغل العرب ببعضهم، وأن تتحول خلافاتهم السياسية إلى خصومات شعبية، وأن تصبح الإساءة إلى دولة أو شعب مادة يومية للتحريض.
تبدأ الحكاية بمنشور مجهول، تتلقفه حسابات متعددة، وتضيف إليه تفاصيل لا أصل لها، حتى يصبح في نظر البعض حقيقة لا تقبل النقاش.
وعندما تظهر الحقيقة، يكون الضرر قد وقع، وتكون مشاعر الغضب قد سبقت أي محاولة للتصحيح.
الجهات التي تريد إشعال الفتنة لا تحتاج إلى اختلاق الخلافات من الصفر، يكفي أن تجد خلافًا قائمًا فتضخمه، أو موقفًا ملتبسًا فتستغله، أو جرحًا قديمًا فتعيد فتحه.
ومع الانتشار الهائل لمنصات التواصل، تتحول واقعة محدودة إلى أزمة واسعة، ويجد خطاب الكراهية طريقه إلى ملايين العقول قبل أن يتوقف أحد ليسأل، من أين جاء هذا الخبر؟ وهل حدث بالفعل؟.
مواجهة التضليل تبدأ بكشف مصدره، وتحديد المسؤول عنه، وتقديم الأدلة على أي حملة منظمة.
ولا يجوز تجاهل أن إضعاف العلاقات العربية يصب في مصلحة كل طرف يريد التعامل مع المنطقة وهي منقسمة على نفسها، عاجزة عن تنسيق مواقفها أو الدفاع عن مصالحها المشتركة.
كثيرون يشاركون في نشر الشائعة من دون أن يدركوا أنهم أصبحوا جزءًا من الأزمة، قد يضغط أحدهم زر المشاركة بدافع الغضب أو الحماسة.
وقد يندفع آخر إلى مهاجمة شعب كامل بسبب تصرف منسوب إلى فرد أو تصريح منسوب إلى مسؤول، وتتسع دائرة الاتهامات، وتتحول الخلافات السياسية إلى خصومات بين الناس.
لم تعد بيانات النفي كافية، في مواجهة شائعات تتنقل بلا مواجهة، وخسائر قد تطلب سنوات لإدراك مخاطرها وإصلاح ما أفسدته.
مطلوب إعلام يتحرى الدقة، ومؤسسات تتحرك سريعًا لكشف المعلومات المضللة، وتعاون عربي جاد لمواجهة الحملات المنظمة، إلى جانب وعي شعبي يرفض الانسياق وراء كل ما يُنشر أو يُتداول.
الشعوب العربية دفعت أثمانًا باهظة نتيجة الانقسام والصراعات، ولا ينقصها مزيد من المعارك التي تبدأ بكلمات وتنتهي بأزمات حقيقية.
الدول قد تختلف في سياساتها ومواقفها، وقد تتعارض مصالحها في بعض الملفات، لكن هذا لا يمنح أحدًا الحق في تحويل الخلاف إلى كراهية بين الشعوب، ولا يجعل من التخوين بديلًا عن الحوار.
الخطر الحقيقي أن يستيقظ العرب يومًا ليكتشفوا أنهم خاضوا معارك شرسة دفاعًا عن روايات كاذبة، وأنهم منحوا خصومهم ما لم يستطيعوا انتزاعه بالقوة، مزيدًا من الانقسام والعداء.
مواجهة إسرائيل لا تكون بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالشعارات التي ترفع الوحدة ثم تتجاهل أسباب الانقسام، المواجهة تبدأ أيضًا بحماية العقول من التضليل، ورفض تحويل الاختلاف إلى خصومة، وإغلاق الأبواب أمام من يريدون إشعال النار بين الأشقاء.
حين يفقد العرب الثقة بعضهم ببعض، تصبح الفتنة سلاحًا يصيب الجميع، وحين يمتلكون الوعي الذي يحميهم من الشائعات، يفقد هذا السلاح أخطر ما يعتمد عليه، وهو قدرته على تحويل الكذبة إلى حقيقة، والخلاف إلى عداوة، والأشقاء إلى خصوم.












