لقد كان التاريخ اللبناني المعاصر مأساوياً لدرجة أن الانفجار الهائل الذي كاد أن يدمر العاصمة قبل ست سنوات فقط – مخلفاً مئات القتلى وآلاف الجرحى والعديد من المشردين – بات الآن مهددا بالزوال تماماً.
في فيلمها «حلم صيف آخر»، تطرح المخرجة الإسبانية إيرين بارتولومي، المقيمة في بيروت، رثاءً سينمائياً مؤثراً لكارثة لا تقل أهمية تاريخية عن الهجوم العسكري الإسرائيلي الكارثي على لبنان في السنوات الثلاث الماضية.
يروي فيلم Dream of Another Summer”حلم صيف آخر” المعروض في مهرجان الجونة في دورتع التاسعة . قصة لقاء بين امرأة تدعى أليسيا ومدينة بيروت، مستكشفًا كيف ترتبط الأماكن التي نسكنها بنا، ومتأملًا في تدمير المباني وحفظها باعتبارها فضاءات للذاكرة الجماعية. لا يقتصر هذا الفيلم على كونه صورة لبيروت، بل هو رحلة سينمائية في علاقة المدن بالحياة والتقدم والدمار، وتأمل في بقاء المدينة عبر الزمن.
جوانب مختلفة من الحياة الحضرية
إيرين بارتولومي هي مخرجة أفلام من برشلونة تقيم حاليًا في بيروت، لبنان. درست مونتاج الأفلام والأفلام الوثائقية الإبداعية ونظرية السينما في مدريد وبرشلونة ونيويورك ولندن، وتعمل حاليًا كمحررة أفلام. أخرجت الفيلمين القصيرين «وقت الغداء» (2017) و «منازل ويليامزبرج» (2016). يستكشف الفيلمان جوانب مختلفة من الحياة الحضرية في القاهرة ونيويورك على التوالي.
النفسية الوطنية اللبنانية وسياستها المختلة
بينما يعكس الفيلم نهج شانتال أكرمان في رصد وسرد التجارب الشخصية للضيق الحضري، ويطارده رؤى ما بعد الصدمة لبلد مدمر لا يختلف عن فيلم غسان سلهب الكلاسيكي «بيروت الوهمية» عام 1998 ، فإن أول فيلم روائي طويل لبارتولومي يتخذ نهجًا أكثر حميمية في استكشاف كيف حطمت انفجارات مرفأ بيروت عام 2020 النفسية الوطنية اللبنانية وسياستها المختلة.
ارتفاع تكاليف المعيشة
تدور أحداث فيلم «حلم صيف آخر» حول محاولة مخرجة أفلام إسباني خيالي غير مرئي لفهم أجواء بيروت بعد الانفجار، وينقل الفيلم مشاعر الكآبة والقلق التي تخيم على المدينة من خلال لقطات ثابتة لحياة الشوارع التي تتكشف في مشهد معماري يمكن وصفه بالمهيب والمشوش والمشوه.
نشاهد أماكن ساحلية خالية تصطف على جانبيها شقق فاخرة في ساعات الصباح الباكرة؛ ثم نرى الناس ذاهبين إلى أعمالهم في شوارع المدينة المزدحمة بأسلاكها الكهربائية المتدلية ولافتاتها متعددة اللغات. من الأعلى، نرى السيارات والناس يتحركون على طول الطرق المحاطة بمبانٍ شاهقة خلال النهار. أما على الأرض ليلاً، فينتظر البقالون بفارغ الصبر الزبائن في متاجرهم، بينما يحتسي آخرون الشاي وهم يستمعون بتشتت إلى برامج الأخبار التلفزيونية حول ارتفاع تكاليف المعيشة.
بالتوازي مع هذه اللقطات من محيطها، تتجلى معاناة أليسيا الشخصية من خلال صور شقتها التي أعيد تأثيثها مؤخرًا والتي لا تزال خالية. تكافح أليسيا لتدوين أفكارها ومشاعرها على صفحات دفترها الفارغة، وقد تكون لقطة مقرّبة ليديها وهما تكسران رمانة ناضجة صورة أخرى من حياتها اليومية أو رمزا لانهيارها الجسدي والنفسي.
كل هذا يتجلى في رسائلها الصوتية: من مالك العقار الذي يزودها بتفاصيل دقيقة عن أعمال الترميم في الشقة المنكوبة بالانفجار، وأيضًا صوت شريكها الذي يستفسر منها عن قرارها مغادرة منزلها مجددًا إلى بيروت. كل هذا يزيد من شكوك أليسيا ،وشعورها بالذنب حيال عودتها إلى مدينة هجرتها في وقت الأزمة.
موجة الصدمة
يتكرر في تلك اللقطات الداخلية مشهد نافذة ترفرف، تضررت بشدة جراء موجة الصدمة الناتجة عن الانفجارات لدرجة استحالة إصلاحها. وكأنها تُحركها روح خفية تتجول داخل الشقة وخارجها، يوحي إطارها المعدني المتأرجح بوجود شبحي في المدينة وفوقها.
يتردد صدى هذا الشعور الغريب في تصميم أليسيا الحاسوبي لأبراج التخزين التي اعتبرت مركز انفجارات عام 2020. وعلى خلفية تلك الصورة الضبابية الشبحية لصوامع الحبوب التي سحقت أو أوشكت على الانهيار، يخبر خبير هندسي أليسيا عن حيرته بشأن دعم هدم هذا الهيكل الخطير، وعن شعوره القوي بضرورة الحفاظ على هذا الخراب كرمز للنضال من أجل المسؤولية السياسية والعدالة الاجتماعية .
سجل بصري
فيلم «حلم صيف آخر» بمثابة سجل بصري لما كانت عليه بيروت في الماضي غير البعيد ولكنه مختلف تمامًا، وتسجيل لإحباطات ومخاوف شعب أنهكته سنوات من الفساد والفوضى، ويقدم وجهة نظر مغايرة للأفلام التي تسعى إلى معالجة السياسة والتاريخ اللبناني من خلال الدراما ؛ أو الأفلام الوثائقية.
بالاستناد إلى لقطات رائعة صورها بول سيف، نسجت بارتولومي، بالتعاون مع محررتها اللبنانية ساندرا فتي، سردًا غنيا بالروابط والتناقضات. ويتجلى ذلك بوضوح في نهايته، حين ينحرف الفيلم الوثائقي عن التشاؤم، مستعرضا لقطات مقربة لأشخاص يتحدثون بحيوية في مقهى، في إشارة إلى أن صمود الشعب اللبناني لا يقهر. يبدو أن بارتولومي تشيرفي هذه الخاتمة إلى أن وقتهم سيأتي، ربما في صيف آخر، لكن ليس بالضرورة أن يبقى مجرد حلم.
لحظات الكوارث الكبرى
يسود الفيلم “حلم صيف آخر ، شعور بالخطر الوشيك ؛ وأن شيئاً ما قد يحدث في أي لحظة، ربما شيءٌ فظيع.بارتولومي، عاشت لحظات من لحظات الكوارث الكبرى – انفجار أغسطس الذي سوى جزءاً من المدينة بالأرض، وأودى بحياة أكثر من 200 شخص. وكان الانفجار، الذي بلغت قوته حداً شعر به سكان الدول المجاورة، ناجماً عن اشتعال كمية هائلة من نترات الأمونيوم المخزنة بشكل غير سليم في الميناء.
المدينة بالنسبة لي
عرض فيلم بارتولومي في مهرجان ثيسالونيكي الدولي للأفلام الوثائقية في اليونان ؛وبالنسبة للمخرجة وغيرها من سكان المدينة، جعل الانفجار يدركون “المعنى الحقيقي للدمار”، كما كتب بارتولومي في بيان المخرجة. “ومع ذلك، لم أتمكن من تسجيل تلك اللحظة، ليس فقط لأنني لم أكن قادراً جسدياً أو عقلياً على ذلك، ولكن لأنني لم أكن أهدف فقط إلى التقاط الواقع، بل كنت بحاجة إلى وقت لأفهم ما هو الدمار بالنسبة لي وما هي المدينة بالنسبة لي.”
النوافذ المحطمة للمباني أو الجدران المنهارة تعد بمثابة انعكاسات للأجساد الجريحة التي كانت تسير في الشوارع. فجأة، لم تعد المباني كائنات جامدة، بل أصبحت مخلوقات من الذاكرة والندوب. لقد كشف هذا الحدث المروع عن العلاقة العميقة التي تربطنا بالأماكن التي نسكنها.
الوسيط بين الجمهور والمكان
قدم فيلم “حلم صيف آخر” للمخرجة إيرين بارتولومي الغياب والحضور، وكيف يندمج المتناقضان ظاهريًا في كل لا يوصف. وفي الحقيقة إن أليسيا بمثابة شخصية بديلة، خيالية من الناحية الشكلية، ولكنها حقيقية من الناحية الأوسع. صورت من خلال عيونها ووعيها المأساة .
أليسيا هي الوسيلة للتواصل مع المدينة، الوسيط بين الجمهور والمكان. أليسيا امرأة تائهة في المدينة، نتابعها في شوارع بيروت، بينما يستحوذ عليها هاجس ما. مع ذلك، في هذا الفيلم، لا نرى أليسيا كثيرا ولا نسمعها. الجمهور، البطل الحقيقي، هم عيونها وآذانها. وبصفتهم شهودًا على هذه التجربة، يعيشون ما تعيشه.
أنصب اهتمام أليسيا على حالة صوامع الحبوب العملاقة قرب الميناء، والتي لحقت بها أضرار جسيمة جراء الانفجار. انهار بعضها بعد نحو عام من الانفجار، بينما باتت البقية معرضة لخطر الانهيار. تستعين أليسيا بمهندسٍ مجهولٍ لفهم هشاشة هذه الصوامع، وتسمع مناقشاتهما عبر صور ثلاثية الأبعاد غريبة تُشبه صور الأشعة السينية.
اعادة بناء نفسه
فيلم ” حلم صيف آخر” أشبه بحلم بعد الظهر روى من خلال صور شبه فوتوجرافية ورسائل صوتية ولقاءات عابرة. ينظر الفيلم إلى المباني بنظرة حزينة خفيفة، باعتبارها كائنات معقدة تحمل ذكريات ما حدث حولها.هذا الفيلم أكثر من مجرد صورة لبيروت؛ إنه رحلة حيوية وحسية ووجودية عبر مدينة حولت نفسها ونجت من دورات الدمار، ربما مثل كل واحد من أهلها ، يحاول اعادة بناء نفسه ويغيرها بناء على ما حدث لهم.











