الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب جديدة كي ينهار ما تبقى من استقراره؛ يكفي أن يخطئ طرف واحد في حساباته، حتى تجد المنطقة بأكملها نفسها أمام مواجهة لا يملك أحد ضمانات احتوائها.
تتشابك الأزمات وتتقاطع المصالح، من غزة إلى لبنان وسوريا والسودان، ومن الخليج إلى البحر الأحمر واليمن، فيما تظل المواجهة الأمريكية الإيرانية أحد أخطر مفاتيح التصعيد الإقليمي، وسط حسابات إسرائيلية ودولية تزيد المشهد تعقيدًا.
كل طرف يتحرك وفق حساباته الخاصة، لكن فاتورة المواجهة لن يتحملها أصحاب القرار وحدهم، بل تدفع شعوب المنطقة ثمناً باهظاً لها.
المواطن العربي أنهكته الأزمات الاقتصادية، والدولة التي تستنزف مواردها، والأسواق التي ترتبك مع كل تهديد للملاحة والطاقة، جميعهم يدفعون ثمن صراع لم يختاروا خوضه.
لم يعد الأمر يتعلق بحدود الضربة المقبلة، بل بقدرة القوى الإقليمية على منع حادث واحد من إشعال مواجهة واسعة.
تاريخياً.. المواجهات لا تظل دائمًا داخل الحدود التي رُسمت لها، يبدأ التصعيد محدودًا، ثم تتوالى الردود، ويصبح التراجع مكلفًا سياسيًا، فتتقدم لغة القوة على فرص التسوية.
الشرق الأوسط منطقة تمر عبرها طرق حيوية للطاقة والتجارة، لذا لن يبقى أثر أي مواجهة محصورًا في ميادين القتال.
اضطراب مضيق هرمز أو باب المندب، مثلًا، قد يرفع تكاليف النقل والتأمين ويضغط على الأسواق، فيما تتحمل الاقتصادات العربية تبعات إضافية لا تحتاج إليها.
الجميع يعرف تكلفة الحرب، لكن معرفة الكلفة لا تعني بالضرورة القدرة على منعها، فحين تتقدم الحسابات الضيقة، يصبح تجنب المواجهة أصعب من الحديث عن مخاطرها.
مستقبل مستقر للشرق الأوسط لا يمكن رسمه مع تجاهل القضية الفلسطينية، فما يجري في الأراضي الفلسطينية، وما يرتبط به من توترات في دول الجوار، يظل جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الإقليمي.
وأي تسوية تتجاوز حقوق الفلسطينيين قد توقف التصعيد لبعض الوقت، لكنها لن تزيل أسباب الصراع.
السلام لا يُقاس بعدد الاتفاقات الموقعة، بل بقدرتها على إنهاء الاحتلال، وصون الحقوق، ومنع تجدد المواجهات.
هنا تكمن إحدى المعضلات الكبرى، هل تتجه المنطقة إلى معالجة جذور أزماتها، أم تكتفي بترحيلها من مرحلة إلى أخرى حتى تنفجر من جديد؟
بالنسبة إلى مصر، ليست اضطرابات المنطقة شأنًا بعيدًا عن مصالحها، فأمن الخليج، واستقرار البحر الأحمر، وحماية الملاحة في قناة السويس، ومستقبل القضية الفلسطينية، كلها ملفات تتصل مباشرة بالأمن القومي المصري والعربي.
من هنا تكتسب التحركات المصرية الرامية إلى احتواء الأزمات أهمية تتجاوز الوساطة بين الأطراف المتنازعة. المطلوب أيضًا دفع العمل العربي المشترك إلى مستوى أكثر فاعلية، بحيث لا تتحول كل أزمة إلى اختبار منفصل، ولا تجد الدول العربية نفسها مضطرة إلى مواجهة الأخطار منفردة.
غير أن مصر، مهما امتلكت من ثقل سياسي، لا تستطيع وحدها بناء منظومة أمن عربي متماسكة، ذلك يحتاج إلى إرادة جماعية، وتنسيق في المواقف، واتفاق على أن سيادة الدول العربية ومصالح شعوبها ليست أوراقًا للمساومة.
الانفراجة تحتاج قرارًا، ولا يزال الطريق الدبلوماسي مفتوحًا، لكنه لن يقود إلى نتيجة مختلفة ما لم تصاحبه خطوات واضحة لوقف التصعيد، واحترام سيادة الدول، وحماية الممرات البحرية، وإحياء مسار جاد لتسوية القضية الفلسطينية.
والاختبار الحقيقي أمام العرب هو قدرتهم على تحويل المخاطر المشتركة إلى مصالح مشتركة، بدلًا من انتظار تدخل القوى الكبرى كلما اقتربت المنطقة من حافة الهاوية.
باختصار.. الشرق الأوسط أمام مفترق طرق، إما أن تتحول الأزمات إلى بداية لتفاهم إقليمي يحمي الشعوب، وإما أن تفتح الخلافات أبواب حرب جديدة، وفي الحالتين، لن يكون مقبولًا أن يظل القرار خارج المنطقة، بينما يدفع أبناؤها الثمن.













