عندما فاز دونالد ترامب، برئاسة الولايات المتحدة، رأيت أنه من غير المنطق الحكم علي الرجل من اليوم الأول، لأن الحكم في هذه الحالة سيكون متسرعًا ولا يستند إلى أي قواعد.. خاصة أن المحددات التي أمامنا لا تتعدي السيرة الذاتية والخطاب الانتخابي الذي يختلف عن خطاب السلطة والحكم.. فغالباً ما يختلف الخطاب الدعائي للمرشح الرئاسي عن خطاب الرئيس رجل الدولة المسئول عن شعب ودولة ووطن، خاصة إذا كان هذا الشعب هو الشعب الأمريكي والدولة هي الولايات المتحدة.
ورغم قصر الفترة التي مرت علي تولي «ترامب»، رئاسة الولايات المتحدة- فالرجل لم يكمل الشهر الأول في البيت الأبيض.
إلا أن الأحداث التي توالت كانت سريعة.. والضجة التي صاحبت توليه السلطة كانت صاخبة، وقراراته الأولية وخطاباته وردود أفعاله كفيلة بالحكم عليه وتحديد ملامح المستقبل لأمريكا والعالم علي اعتبار أن الأمر يخص رئيس أكبر دولة في العالم وبالأدق رئيس مجلس إدارة العالم.
بداية لا أجد فارقًا كبيرًا بين «أوباما» و«ترامب» وحتي «كلينتون» وذلك فيما يتعلق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط.. الفارق الوحيد أراه في السياسة الداخلية والمقومات الشخصية.
فمثلاً إذا تصور الذين لطموا الخدود وشقوا الجيوب علي هزيمة هيلاري كلينتون أن خسارتها أمام «ترامب» تعد بمثابة انتكاسة للعرب، فإنهم واهمون، لأن «هيلاري» لم تكن تصلي من أجل القدس، ولا راهبة في محراب السلام، ولا عاشقة لإفريقيا والعرب.. فجميع رؤساء الولايات المتحدة السابقون واللاحقون عندهم قناعة ذاتية ومبدأ لا يحيدون عنه، وهو أن أمن إسرائيل من أمن أمريكا.. وأن رؤساء الولايات المتحدة من بوش الأب والابن وحتي «أوباما» و«ترامب» وبالمرة «هيلاري» يخططون لتخريب الشرق الأوسط وتقسيم دوله ونهب ثرواته وتذكية النزاعات الطائفية داخله.. الفارق بينهم فقط في المنهج والطريقة.. فبوش الأب حرض صدام حسين علي غزو الكويت.. وبوش الابن شن حرباً عسكرية همجية بربرية علي العراق أعادتنا إلي أيام التتار.. أما «أوباما» فقد أضاع سوريا وليبيا واليمن دون أن يطلق رصاصة واحدة.. فقط لجأ إلي أسلوب الفوضي والثورات وتذكية الصراعات الداخلية ليكون كل شىء بأيدينا نحن لا بأيدي غيرنا.. أما «ترامب» فقطعاً لا يختلف هدفه عن كل سابقيه.. ولكننا لا نعلم منهجه ولا طريقته في التنفيذ.
الفارق الوحيد بين كل هؤلاء يكمن في المقومات الشخصية.. فمثلا بوش الأب كان داهية.. أما بوش الابن فقد كان موتوراً وظهر ذلك في حماقته وسياساته الخرقاء.. أما «أوباما» فيأخذك بالأحضان الدافئة ويغرس في ظهرك الخنجر الغائر المسموم.. أما «ترامب» فمن الصعب أن تحدد له وصفاً أو تتوقع له رد فعل، فالرجل يحارب طواحين الهواء ويطلق الرصاص العشوائي في كل مكان.
ولكن النتيجة واحدة.. كلهم واحد.. وكل من دخل البيت الأبيض قبلته إسرائيل وهدفه تدمير العرب.
وفي النهاية، فإن الولايات المتحدة هي دولة مؤسسات وسياستها الخارجية تحديداً لا يحددها الرئيس وحده.. صحيح أنه يجلس علي رأس السلطة.. إلا أن البنتاجون والخارجية وأجهزة المخابرات والقضاء والكونجرس كلها مؤسسات فاعلة تمثل موازين قوي في تحديد هذه السياسة.. ومهما كانت الخلافات بينهم فإن هدفهم واحد وبوصلتهم واحدة صوب تل أبيب.
وبعيداً عن هذا المحور، فإن أمريكا التي نراها اليوم ليست أمريكا التي نعرفها، وهو ما سنتناوله في المقال القادم إن شاء الله