إذا أردت الاستمتاع بالحقيقة والتعرف إليها برؤية فنية؛ فعليك بمشاهدة الأفلام الوثائقية التي لها أشكال عدة؛ ما بين رحلة عبر بلدان وأساليب معيشية غريبة، كما في فيلم «نانوك ابن الشمال»، أو ربما قصيدة مرئية كقصيدة جوريس إيفينز «المطر»، أو كدعاية لنظام سياسي «الرجل ذو الكاميرا السينمائية».
إنها أفلام تعلمك شيئًا ما، مثل «العمالقة الراكبون»؛ والجميل أن الأفلام الوثائقية تهدف إلى الإمتاع واستقصاء الحقيقة؛ من خلال فنانين وتقنيين يقدمون صورة «متوازنة» ما بين تقديم الواقع وإضافة السمات الفنية الجمالية؛ مستخدمين المصداقية والنقاش؛ وتقديم إجابات متعددة عن العالم الواقعي؛ وبالطبع ليس بالضرورة أن تكون الحقيقة الكاملة.
الأفلام الوثائقية
وفى الفيلم الوثائقي لا توجد قواعد في هذا الشكل الفني؛ ولكنه يجئ التناول من رحم الرغبة في أنها تخبرنا بشيء يستحق المعرفة؛ وجذب الاهتمام؛ ومن الممكن أن تتباين الأساليب في الأفلام؛ ولكن في النهاية يصبح المشاهد شريكًا للكاميرا في المعرفة، ومهرجان الجونة هذا العام يقدم مجموعة متميزة من الأفلام الوثائقية المتنوعة في القضايا وأسلوب الطرح؛ ونالت العديد من الجوائز العالمية.
33 كلمة عن التصميم للمخرج ناتاليا كليمشوك، أولجا موروزوفا يفند الانطباع السائد بأن الروس ليس لديهم أسلوب خاص بالتصاميم البصرية!. فهل يعود ذلك إلى نظرة الروسي المُقَلِلة لشأن ثقافته وتاريخها وتأثيراتها الكبيرة، أم إلى الواقع المحيط بها والذي يعيق بروز أساليب وجماليات خاصة بفن التصميم؟ وتطرح الفكرة من خلال 33 مصممًا بصريًا ومصممة روسية يجتمعون لاختبار ذلك الانطباع، بينهم أسماء مشهورة منتمية لعالم التصميم مثل، أرتيمي ليبيديف وفاليري جوليزهينخوف وبوكراس لامباس وأنطون شنايدر ودينيس باشيف إلى جانب أوليج باشينكو.
أَكلَة لحوم البشر
أما أيام «أَكلَة لحوم البشر» لتيبوهو إدكينز ففيلم وثائقي معاصر، يُحكى على خلفية علاقة صينية أفريقية ناشئة حديثًا؛ وتدور أحداث الفيلم في منطقة ريفية نائية في جنوب أفريقيا، وهي مساحة حدودية تشهد فيها قوانين المجتمع تغيّرًا مستمرًا. يمكن الإحساس بتأثير قوى الرأسمالية الجامحة، في أعماق تلك المجتمعات الريفية، خاصة مع بدء تطور النظام الجديد. تبدأ الأسس القديمة في التفكك، مع الوقت يترسخ قانون الغاب العتيد «إما أن تَأكُل أو تؤكل»، عُرض الفيلم عالميًا لأول مرة في الدورة الـ70 لمهرجان برلين السينمائي.
ويجئ فيلم آكازا، بيتي لرادو شورنيشوتش على مدى عقدين من الزمن، عاشت عائلة إناش – 9 أطفال وأبويهم- في كوخ في منطقة دلتا بوخارست: خزان مياه مهجور، وهو أحد أكبر المحميات الطبيعية في المناطق الحضرية في العالم، مع بحيرات ومئات الأنواع من الحيوانات والنباتات النادرة. عندما تقرر السلطات استعادة هذا النظام البيئي الحضري النادر، يتم طرد العائلة ويطلب منها الإقامة في المدينة – في واقع لا يعرفون عنه شيئا، عرض الفيلم في مسابقة سينما العالم للأفلام الوثائقية بمهرجان صندانس السينمائي لعام 2020، وفاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة للتصوير السينمائي.

بانكسي
أما بانكسي أكثر المطلوبين للمخرج أوريليا روفييه، شيموس هالي فيرسم هذا الفيلم الوثائقي صورة معمقة لروبن هود المُقنَع؛ الرسام بانكسي. تكشف كل مقابلة وتحقيق عن جانب من جوانبه كفنان ملتزم بقضايا البيئة، وعنده موقف إيجابي من اللاجئين السياسيين، وصلته جيدة بالمشهد الموسيقي، إضافة إلى ريادته وطليعيته أيضًا.
شهادات مختلفة يخبرنا بها أولئك الذين يعرفونه وعملوا معه، والذين يستغلونه، والذين يطاردونه، وأولئك الذين يحاولون نسبته لأنفسهم. من خلال تلك الشهادات يضعنا الفيلم في قلب عالم بانكسي الغامض المثير للاهتمام.
يركز بانكسي في أعماله على الصور الشهيرة، ويدمجها مع الشعارات، والتي غالبًا ما تتحدث عن الموضوعات السياسية، والحروب، والرأسمالية، والنفاق، والجشع. وقد تكون الفئران، والقرود، والشرطة، وأفراد العائلة الملكية، والأطفال موضوعاته الأساسية. وبالإضافة إلى الفن ثنائي وثلاثي الأبعاد، فبانكسي مبدع في فن التركيب والتشكيل، وقد ظهر ذلك في حديقة الأرض الكئيبة والتي تظهر فيها ديزني لاند على عكس ما نتخيله ونعرفه.
وقد لقي بانكسي شهرة أوسع بعد الرسومات التي قام بها على جدار الفصل العنصري في الضفة الغربية في فلسطين المحتلة عام 2005. وقد أصبحت أعماله تباع في المزادات العلنية مثل سوثبي وبونهام لندن. وفي عام 2010 أصبح بانكسي مؤلفًا رائعًا وصانع أفلام، وله فيلم «Exit Through the Gift Shop » تبقى شخصية بانكسي لغزًا محيرًا للجميع، لم يستطع أحد فك شفرتها، لكن ما هو مهم أنه ترك بصمات سيخلدها التاريخ في أستراليا وإنجلترا والولايات المتحدة وجامايكا والأراضي المحتلة وكندا! عُرض الفيلم في مهرجان تريبيكا السينمائي 2020.
جزائرهم
وهناك أطروحة مختلفة في «جزائرهم» للينا سويلم من خلال جَدا لينا الجزائريان عايشة ومبروك اللذان قررا الانفصال عن بعضهما بعد زواج دام 62 عامًا. بناءً على ذلك، تقرر الحفيدة (لينا) استغلال الفرصة لمسائلة رحلتهما الطويلة في فرنسا وانعطافات حياتهما في المنفى.
هاجر الزوجان سويًا من الجزائر في خمسينات القرن المنصرم إلى بلدة تيير، حيث اختبرا الحياة الخاصة بالعمال الجزائريين في فرنسا. الآن، حان الوقت للنظر في كل ما مضى.
وفى فيلم «سوفتي» لسام سوكو من كينيا؛ نرى بونيفايس موانجي الشهير بسوفتي، مصور صحفي مشهور ومعروف بتواجده الدائم مع كاميرته في أماكن النزاعات المشتعلة في بلده كينيا. سوفتي سياسي ناشط، يناضل ضد الظلم في بلده، الآن قرر الترشح للانتخابات النيابية الكينية. هل بالمثالية وحدها ستنجح حملته ضد الفاسدين، وهل سيُعَرض قراره، حياة عائلته للخطر؟. الفيلم فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في الدورة الـ36 لمهرجان صندانس السينمائي.
صائدو الكمأ
وتجئ تجربة صائدو الكمأ لمايكل دوّيك، جريجوري كيرشاو في أعماق الغابات الواقعة في شمال غرب إيطاليا، تبحث مجموعة من كبار السن عن كمأ الألب الأبيض غالي الثمن، طيب الطعم، والذي فشلت كل الجهود العلمية الحديثة في زراعته. تُفسد زيادة الطلب عليه وانخفاض مخزونه، جمال رحلة الرجال بصحبة كلابهم المخلصة. عُرض الفيلم عالميًا لأول مرة في الدورة الـ36 لمهرجان صندانس السينمائي الدولي، وأدرج ضمن الاختيارات الرسمية للدورة الـ73 لمهرجان كانّ السينمائي، والدورة الـ47 لمهرجان تيلوريد السينمائي، ومن بعد في الدورة الـ45 لمهرجان تورنتو السينمائي.
لَّيْل
أما فيلم جيانفرانكو «ليل» فيطرح سؤال ما مقدار الألم المُعاش المُشكِل لوجدان وهوية سكان الشرق الأوسط؟.. من هذا السؤال ينطلق فيلم «لَّيْل» الذي صُور على مدى 3 سنوات على طول الحدود الفاصلة بين سوريا والعراق وكردستان ولبنان وعبر تلك المسيرة الطويلة يمنح المخرج الإيطالي جيانفرانكو روسي صوتًا لدراما إنسانية تتجاوز التقسيمات الجغرافية والإثنية، والمُشكَلة من صور مأخوذة من الحياة اليومية، المتشابكة تفاصيلها مع مآس حروب أهلية مستمرة وديكتاتوريات وحشية وغزوات خارجية وتدخلات، آخرها «داعش» عدو الإنسانية. عُرض الفيلم ضمن مسابقة مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في دورته الـ77.
وفى «مٌشِع» لريثي بان نرى بدقة شديدة، كيف تصنع أيدي الرجل معرضًا للصور العائلية، يحتفظ فيه بكنزه البصري كما لو كان ضريحًا. هكذا تبدأ الرحلة إلى عالم الألم. تُقسم الشاشة إلى ثلاثة أجزاء، مانحة الإيقاع إلى تلك الصور. كل مأساة لها تفردها، ولكن مع تكرار الصور، هناك ضجيج ممل يحدث لا يمكن الفرار منه. يحتفظ ريثي بان بدور الشاهد الناجي الذي يعيش مع الإشعاعات، ومع ذلك يحافظ على رؤية واضحة للحياة. عُرض الفيلم عالميًا لأول مرة في الدورة الـ70 لمهرجان برلين السينمائي، وفاز هناك بجائزة أفضل فيلم وثائقي (جلاشوتي).

نفس
وتشرك ريمي عيتاني بفيلم «نفس» حيث يسكن إبراهيم في حي باب التبانة غير الآمن، إذ لا زالت آثار الحروب الأهلية تمزق نسيجه المجتمعي. يناضل إبراهيم من أجل عيش حياة مسالمة، لكن قلة فرص العمل وسجله الإجرامي والنزاعات الطائفية والدينية إضافة إلى صالات القمار التي يرتادها تجعل مهمته شبه مستحيلة. تحمل زوجته طفلًا في بطنها حاليًا، ويحلم إبراهيم بحياة هادئة، وعمل جيد ومنزل خاص به، غير أن ضغط المسؤوليات الحياتية المُنتظرة، تمزق سلامه الداخلي الذي بالكاد عثر عليه مؤخرًا، ليجد نفسه مرة أخرى في عالم حاول الهروب منه مرارًا وتكرارًا.
للمزيد من مقالات الكاتبة اضغط هنا
t – F اشترك في حسابنا على فيسبوك و تويتر لمتابعة أهم الأخبار المحلية