بقلم – عبده وزان
لم ترحم جريدة «شارلى إيبدو» الكاريكاتورية الفرنسية في عددها الجديد «الجمعة» ضحايا الزلزال الذي ضرب وسط إيطاليا أخيرًا من سخريتها اللاذعة جدًا. فسخرت من الزلزال الذي أوقع ٣٠٠ قتيل علاوة على الجرحى والخراب الكبير الذي حل، بل من ضحاياه الأبرياء، فابتدع أحد رساميها كاريكاتورًا عنوانه «زلزال على الطريقة الإيطالية» صوّر فيه ثلاثة ضحايا إيطاليين على طريقة «الباستا» أو «المعكرونة» يتخبطون بـ «الكاتشب». أحدهم يغشاه «الدم» كتب فوقه «بينّى بصلصلة الطماطم» وآخر جريح مدمى كتب فوقه «بينّى بالفرن» والثالث جثة مطمورة تحت الركام سماه «لازانيا». إنهم ضحايا الزلزال العنيف جعلهم الرسام «اللئيم» بقايا في أطباق مهشمة من الطعام الإيطالى.
ليس هؤلاء من جماعة اليمين المتطرف، وليسوا مسلمين ولا مسيحيين ولا سودًا ولا أصحاب عاهات، وليسوا من «الأعداء» الذين اعتادت هذه المجلة أن تسخر منهم وتهزأ بهم بشدّة، محقرة إياهم ومتجاهلة كونهم بشرًا ومواطنين. إنهم إيطاليون وأوروبيون قبل أن يكونوا ضحايا زلزال. ليسوا داعشيين ولا متطرفين ولا «رعاعًا» من برارى أقاصى العالم. وكان لا بد من أن يستهجن إيطاليون وفرنسيون كثر وبسرعة، «شناعة» «شارلى إيبدو» هذه، معربين عن موقف سلبى جدًا منها. ولم تتوان صحف ومجلات فرنسية عدة عن نقد هذه «الحماقة» كما سماها بعضهم، وكأنها تتبرأ من حرية الرأى التي تخطت حدودها وباتت فعل اعتداء على إنسانية الإنسان. وهذه ليست بتاتًا حرية رأى، وليست ضربًا من الحماقة أيضًا، إنها حقارة وخبث وعبث… هل يمكن لأحد أن يسخر من موت البشر وآلامهم؟ هل يمكن لأحد أن يسخر من أشخاص سقطوا فيما يشبه المقتلة الجماعية وأصبحوا جثثًا تحت الركام؟
عندما تعرضت مكاتب «شارلى إيبدو» للهجوم الإرهابى البشع الذي قام به شخصان من تنظيم «القاعدة» في ٧ يناير ٢٠١٥ وسقط فيه ١٢ شخصًا بينهم رسامون ومحررون، راج شعار في فرنسا وخارجها هو «كلنا شارلى إيبدو» وتبنته أعداد هائلة من المستنكرين في العالم أجمع، وبينهم عرب ومسلمون. حينذاك كان لا بد من الدفاع عن الجريدة الساخرة ـ المبالغة دومًا في سخريتها ـ إزاء الإجرام الإرهابى والتكفيرى. الرد على رأى مهما كان قاسيًا وغير موضوعى، لا يكون إلا ردًا برأى آخر. والمعارك الإعلامية والفكرية لا تواجَه إلا بما يماثلها. أما القتل هنا، فهو ضرب من الجنون والجبن.
أذكر كيف أيدنا جريدة «شارلى إيبدو» واستنكرنا الإرهاب التكفيرى الذي سقط بين ضحاياه في باريس شرطى مسلم. لكنّ هذه الجريدة التي تسعى دوما إلى استفزاز الأقليات والأديان، وإلى السخرية حتى من ضحايا المصائب والكوارث، مدعية الحرية، تحتاج فعلًا إلى أن تعيد النظر في مفهوم الحرية وفى معنى فن الكاريكاتور، هذا الفن الذي وجد ليسخر ويثقف في آن واحد، بل ليخاطب عين الإنسان وعقله أيضًا. هذا فن لم يوجد ضد إنسانية الإنسان، بل من أجل مواطنية الإنسان، فردًا وجماعة.
كفى وقاحة، «شارلى إيبدو»، كفى صلافة وخبثًا وقدحًا وذمًا.














