في الأزمات والصراعات، تظهر ازدواجية المعايير في التعامل الدولي بوضوح، وهو ما يتجلى في المواقف المتناقضة تجاه لبنان وغزة.
في حين حشد العالم دعمه للبنان في العديد من الأزمات، نجد أن غزة، رغم معاناتها الطويلة والحصار الخانق، تُترك وحيدة في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية.
هذه المفارقة على الرغم من إصدار محكمة العدل الدولية مذكرتي اعتقال بحق نتنياهو وجالانت لارتكابهما جرائم حرب في غزة، تستدعي الوقوف عند أسبابها وتحليل أبعادها.
أولاً: الموقع السياسي والجيوسياسي لكل منهما:
* لبنان يُعتبر دولة ذات سيادة، ولديه تمثيل دبلوماسي قوي على الساحة الدولية، ما يُمكنه من حشد الدعم العالمي عند الأزمات، كما أن تعددية مكوناته الطائفية والسياسية تضعه في دائرة الاهتمام الإقليمي والدولي.
* غزة، فهي كيان محاصر منذ 2007، وتُعامل على أنها منطقة خارجة عن النظام الدولي، تُسيطر عليها حركة حماس التي تُصنفها العديد من الدول الغربية كـ «منظمة إرهابية».
هذه النظرة تُضعف الدعم الدولي لغزة، وتجعلها هدفاً سهلاً لتبرير العمليات العسكرية الإسرائيلية تحت ذريعة «مكافحة الإرهاب».
ثانياً: أبعاد المصالح الدولية
* لبنان بوابة تأثير إقليمي، ويُعتبر لبنان ساحة تنافس بين القوى الكبرى والإقليمية، وهو ما يدفع الأطراف الدولية إلى التدخل سريعاً في أزماته للحفاظ على توازن المصالح.
الدعم الدولي للبنان غالباً ما يكون بدافع الحفاظ على استقراره، خوفاً من امتداد الصراع إلى دول الجوار أو تحول لبنان إلى بؤرة جديدة للنزاع الإقليمي.
* غزة خارج الحسابات، حيث لا تشكل غزة وزناً استراتيجياً كبيراً بالنسبة للقوى الكبرى.
حصارها المستمر عزلها عن العالم، وأصبح الاهتمام بها مقتصراً على الجانب الإنساني، حتى هذا الجانب، يتم التعامل معه في إطار مساعدات محدودة لا ترتقي إلى مستوى الدعم السياسي أو العسكري.
ثالثاً: الصورة الإعلامية والدبلوماسية
الإعلام العالمي يلعب دوراً كبيراً في تشكيل مواقف الرأي العام الدولي، ففي حالة لبنان، تُبرز الأزمات بشكل إنساني ودولي، وتُسلط الأضواء على المعاناة، مما يدفع المجتمع الدولي للتحرك.
أما في غزة، فإن الرواية الإسرائيلية تهيمن على الإعلام الغربي، الذي يصور العمليات العسكرية على أنها «دفاع عن النفس»، ويُقلل من حجم الكارثة الإنسانية هناك.
رابعاً: طبيعة المقاومة في كل منهما
* المقاومة اللبنانية، بقيادة حزب الله، تمتلك قوة عسكرية وسياسية تجعلها لاعباً رئيسياً في المنطقة.
هذا التوازن يُجبر القوى الدولية على احترام معادلة الردع القائمة، ويُحفز على التحرك الدبلوماسي لتجنب التصعيد.
* في غزة، المقاومة الفلسطينية، رغم شجاعتها وصمودها، لا تمتلك نفس الأدوات أو الدعم الإقليمي والدولي. إسرائيل تستغل هذه النقطة لفرض حصار طويل الأمد وضرب البنية التحتية دون مواجهة ضغوط دولية كبيرة.
خامساً: ازدواجية المعايير الدولية
ازدواجية المعايير ليست جديدة في التعامل مع القضية الفلسطينية.
القوى الكبرى تُفضل التعامل مع دول ذات أنظمة سياسية واضحة، مثل لبنان، على التعامل مع كيانات تحت الحصار كغزة.
هذه الازدواجية تُظهر انحيازاً واضحاً لإسرائيل في قضايا غزة، في حين تُعتبر الأزمات اللبنانية جزءاً من معادلة إقليمية أوسع لا يمكن تجاهلها.
ولمواجهة هذه الازدواجية من قبل المجتمع الدولي للتصدي لحرب الإبادة الشاملة التي يتعرض لها الأشقاء في غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي، فإنه يجب سرعة العمل على «تعزيز الوحدة الفلسطينية»، وضرورة أن تكون هناك قيادة موحدة قادرة على تمثيل غزة سياسياً ودبلوماسياً بشكل أقوى أمام العالم.
ويجب إعادة صياغة الرواية الإعلامية، والاهتمام بإيصال معاناة غزة للرأي العام العالمي بعيداً عن الخطاب المسيطر.
ودعم المقاومة دولياً، وأن تعزز الدول الداعمة للحق الفلسطيني مستوى مساعداتها لغزة وتضغط لرفع الحصار.
باختصار.. الفرق في تعامل العالم مع لبنان وغزة لا يعكس فقط اختلاف الظروف، بل يُبرز أيضاً تباين المصالح الدولية والنظرة الاستراتيجية لكل منطقة.. بينما يجد لبنان دعماً سريعاً في الأزمات، تُترك غزة لتقاتل وحدها.
ومع ذلك، تظل غزة رمزاً للمقاومة والصمود، وتحتاج إلى حراك عربي ودولي أكبر يضعها في مركز الاهتمام العالمي، تماماً كما يحدث مع لبنان.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا