صدق اللي قال المصري «جمل» حمال هموم و«أسية» وعنده مقدرة عالية جداً على التكيف مع الأوضاع الصعبة وفي الأزمات، وأنه يتغلب على مشكلاته بالحيل ويواجه لحظاته التعيسة بإطلاق النكات والتندر على ما فات والسخرية من حاضره ومما هو آت.
الحقيقة أن موجة الغلاء الطاحنة التي باتت تفتك بالمصريين وخصوصاً الطبقة المتوسطة «سابقا» والتي ضُمت إلى الطبقة الدنيا ليهويا سوياً إلى القاع، أكبر من التحمل خاصه أنها طالت كل شيء وفاقت الاحتمال.
من باب الانصاف فهناك تراجعاً ملموساً في أسعار الخضروات والفواكه، والتي باتت أسواقها أكثر استقراراً وبها من الخيرات ما يلبي حاجة الجميع، بصرف النظر عن الكمية، من حيث كونها تكفي احتياجات الأسر أو لا تكفي.
ومنظومة الخبز ورغيف العيش، ما زالت حائرة بين الدعم النقدي والعيني، وتخوفاً من أن البديل المادي لن يكفي الأسرة عيش 5 أيام، وأن عليها أن تُدبر أمورها بنفسها الـ 25 يوما الباقية، ولا مجال للحديث عن أسعار الدواجن والأسماك.
ومع ذلك ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان رغم ضرورته واعتماد البعض عليه كوجبة أساسية، ولكن المعيشة لها متطلبات أخرى تفقد القلب سكينته والعين راحتها وتُكدر حياة الملايين.
بعيداً عن الأكل والشرب والذي قد لا يكفي الراتب بالوفاء به فهل الحياة تتوقف عند ذلك؟ وماذا عن باقي المتطلبات الأساسية؟
وماذا أيضا عن دور الدولة الذي نص عليه الدستور بتوفيرها الغذاء والعلاج والسكن والتعليم والتوظيف والحياة الكريمة لكل المصريين.
متوسط رواتب غالبيه المطحونين في القطاع العام ومعظم القطاع الخاص تتراوح من 3 إلى 5 آلاف جنيه، قد تقل كثيراً أو تزيد قليلاً وهذا فيما يخص الغالبية العظمى والقطاع العريض من الشعب.
وهذا المبلغ المتواضع الذي يعادل 200 دولار أو يزيد قليلاً لا يكفي لبند واحد من بنود المعيشة فماذا عن باقي المتطلبات؟.
نتحدى وزير المالية وخبراء الاقتصاد أن يستطيعوا تدبير معيشة أسرة مكونة من زوج وزوجه وطفل أو طفلان أو حتى بدون أطفال أو شخص بذاته بهذا المبلغ الزهيد طوال الشهر.
إذا تحدثنا عن الصحة، فلا سبيل أمام الموظفين الغلابة إلا التأمين الصحي الذي يشتهر بالطوابير وقائمة الانتظار، وربما لقى المريض حتفه ولقى ربه، قبل أن يصيبه الدور، خصوصاً أصحاب الأمراض الخطيرة، وما أكثرهم.
أما الأدوية فإنها تواجه الشح والاختفاء والبدائل تسابقها، والمستشفيات الخاصة بنجومها المتعددة، والتي يديرها أصحاب السبوبة والدفع مقدماً، فلا مجال للاقتراب منها أو التفكير في اللجوء إليها.
بقي من لا يشملهم التأمين، وهؤلاء يعالجون بالوصفات البلدي واجتهاد العطارين ورؤية الصيادلة، حتى يرحمهم الموت من العذاب.
التعليم الحكومي بمراحله المختلفة، ما زال يحتاج لرؤى وأفكار جديدة ليواكب متطلبات العصر الحديث، وما زالت المدارس تئن بأحمالها من عجز المدرسين وتكدس الطلاب وتخمة المناهج وغيرها.
أما التعليم الخاص، فإنه يعمل في وادِ منعزل وبقوانين العرض والطلب، وزيادات تفوق الاحتمال بعيداً عن رقابة الوزارة.
واستبشر الناس خيراً بالجامعات الأهلية التابعة للدولة، لكنها تفوقت على الجامعات الخاصة في المصروفات.
السكن الملائم وجه آخر للكارثة، وكل يوم تفجعنا إعلانات الحكومة عن الشقق المليونية التي لا طاقة لمحدود الدخل بها، وكأنها تخاطب مواطنين في كوكب أخر.
إيجار الشقق السكنية كارثه كبرى، حيث ترك لأطماع الملاك دون تحديد سقف لحماية الجبهة الداخلية، خصوصاً بعد قدوم ملايين اللاجئين لمصر، فزادوا أعباءها وزايدوا على أهلها، فارتفعت الايجارات التي كانت مستقرة لفتره طويلة للضعف في غياب إرادة الحكومة، وطمع أصحاب الشقق.
الأمر لم يتوقف عند هذا الحد فقد طال الغلاء أسعار المواصلات، وباتت تلك المملوكة للدولة أعلى سعراً من مشروعات القطاع الخاص.
نحن نتحدث فقط عن الأمور الأهم التي تخص الغالبية العظمى، وتعد جزءاً أصيلاً لا تستقيم الحياة بدونه.
الغلاء «فيروس اجتماعي» تغلغل في كل أمور حياتنا بدون رحمة ليقضي على ما تبقى من أحلام البسطاء في العيش في حياة كريمة تحت حماية الدولة.
باختصار.. معاناة الغالبية العظمى من الشعب تحتاج إلى حكومة للفقراء والمعدمين وأصحاب مدرسة «نكمل عشانا نوم» تحتاج على الأقل لاستحداث وزارة للحماية الاجتماعية، تحمي هذه الشريحة العريضة من الاندثار وتحافظ على حقوقها في الحياة.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا
اشترك في حسابنا على فيسبوك و تويتر لمتابعة أهم الأخبار المحلية