يُعتبر الطيب المتنبي أحد أعظم شعراء العرب، حيث تميز شعره بالحكمة العميقة والنظرة الفلسفية. ولهذا السبب، بات أكثرهم قربًا من قضايا الناس وحياتهم.
كان صادقًا في غضبه، ومبالغًا في مديحه عندما يضطر للتملق، ولكن في جميع أحواله كان شعره مليئًا بالجمال والإبداع. ومن أبرز أبياته تلك التي قال فيها:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى
عدوًا له ما من صداقته بد
وأنكد منه صاحب لست عالمًا
به أهو الخل الوفي أم الضد
نرى اليوم في مجتمعاتنا تجسيدًا لما وصفه المتنبي، حيث اختلطت القيم واضطربت الموازين.
أصبح الإنسان الحر يعيش حائرًا يشاهد تسلل أصحاب الولاءات إلى مواقع كانوا أهل الكفاءات أحق بها.
تفشى الفساد إلى درجة تنذر بالخطر، وصرنا في مؤخرة الأمم. بات الجميع مضطرًا لقبول صداقات أعدائه لتجنب الضرر، وحتى يسلم من الأذى، وهو واقع يثقل كاهل النفوس الحرة.
وترتبط هذه الأبيات بقصة تحمل ملامح من حياة المتنبي. فقد طلب منه أحد الوزراء في بلاط الأمير مدحه بأبيات شعرية، رغم أنه عُرف بعدم مدح من هم خارج دائرة الأمراء.
لكن الوزير كان قريبًا جدًا من الأمير، ومعروفٌ عن المتنبي أنه إن غضب قال الحق بصدق، وإن اضطر للتملق فعل ذلك بنفاق. فجاءت هذه الأبيات تعبّر عن رفضه العميق لمدح شخص لا يحبه، مشيرًا إلى أنه إن ذكره بكلمة جيدة فلأنها مفروضة عليه لتحسين صورة الوزير أمام الأمير.
كتب المتنبي أيضًا تعليقًا شديد اللهجة على هذا الواقع القائم بقوله:
ما كنت أحسبني أبقى في زمن
يسيء بي فيه كلب هو محمود












