مع عودة دونالد ترامب إلى سدة الحكم رئيسًا للولايات المتحدة، لا يبدو أن شيئًا قد تغيّر في نهجه أو أدواته، بل تعود معه سياسات الضغط والابتزاز والانحياز المطلق لإسرائيل أكثر وضوحًا وجرأة.
وفي أولى خطواته الخارجية بعد تنصيبه، يبدأ ترامب جولة خليجية تختلط فيها لغة المصالح بلون الدم، وتُروّج تحت لافتة «تعزيز الأمن الإقليمي»، بينما يُراد منها في جوهرها تثبيت المعادلة القديمة، المال مقابل الحماية، والسكوت عن الجرائم مقابل الحظوة في واشنطن.
تأتي جولة ترامب بينما لا تزال غزة تحت القصف، وسوريا غارقة في الفوضى، واليمن تئن من الحصار والمجاعة، والعراق وليبيا في دوامة التفكك. وكأنّ الرئيس الأمريكي اختار أن يضع قدمه في المنطقة فوق الجمر، لا ليُطفئه، بل ليرسم خارطة جديدة من الرماد والركام.
نارٌ تحت الرماد.. صفقات وخراب مشترك
لم تكن زيارة ترامب للعواصم الخليجية زيارة دولة بقدر ما كانت «جولة مقاول» يسعى لتحصيل الفواتير السياسية والاقتصادية. وتمامًا كما فعل في ولايته الأولى، يُقدّم ترامب نفسه كضامن للاستقرار، بينما تشتعل الحرائق في كل ركن من أركان المنطقة برعاية أمريكية مباشرة أو عبر الوكيل الإسرائيلي.
غزة، الجرح المفتوح على مرأى العالم، تقاوم وحيدة في وجه آلة الحرب، بينما واشنطن تُبرّر وتُسلّح، وتمنح الغطاء الكامل لجرائم الاحتلال. أما ترامب، فلا يجد حرجًا في الحديث عن «حق إسرائيل في الدفاع عن النفس» دون أن يرف له جفن أمام مشاهد المجازر والدمار.
في العراق، لا تزال اليد الأمريكية تعبث بمستقبله، عبر دعم أطراف متنازعة وتسليح فرق متباينة، ضمن سياسة «فرّق تسُد». وفي سوريا، تحوّل التدخل الأمريكي إلى أداة هندسة للتقسيم الناعم.
أما ليبيا، فهي نموذج للفوضى المنتجة التي أطلقتها واشنطن، وتركتها تتغذى على النفط والدم. واليمن، المنسي في زوايا النشرات الإخبارية، لا يزال صامدًا وسط أزمة إنسانية خانقة صنعتها الحسابات الإقليمية والدعم الغربي للعبث السياسي والعسكري.
أموال العرب.. حلال على أمريكا حرام على الأشقاء
في مشهد عبثي، تُفتح الخزائن العربية على مصراعيها عندما تكون الوجهة واشنطن، وتُغلق أمام نداءات الغوث القادمة من غزة أو طرابلس أو صنعاء. مليارات تُدفع تحت بند «التحالف الاستراتيجي»، وصفقات سلاح لا تجد لها مكانًا إلا في الحروب العربية-العربية، بينما تُحاصر المستشفيات في فلسطين، وتُجَوّع المدن في اليمن، وتُترك المخيمات في سوريا لمصيرها.
باتت أموال العرب أداة طيّعة في يد البيت الأبيض، تُنفق لترميم صورة أمريكا أمام ناخبيها، ولا تُصرف على ترميم بيت العرب المتهالك. أصبح الدعم مرهونًا برضا الحليف الأمريكي، لا بنداء الأخوة أو منطق المصير المشترك.
المال الخليجي والخذلان العربي والطمع الأمريكي
تكتمل خيوط المأساة بمشهد استقبال ترامب في الخليج، كمنقذ ومُخلّص، في حين أنه نفسه من أهان كرامة المنطقة علنًا، واستباح سيادتها تصريحًا لا تلميحًا. لكنه اليوم يعود مرفوع الرأس، ليقبض الثمن، ويوقّع على صكوك التبعية، مقابل وعود زائفة بالحماية، وتسويق خطاب «الخطر الإيراني» و«الإرهاب» كفزّاعة دائمة لتحريك صفقات التسليح وشراء الصمت.
باختصار.. تحركات ترامب، لا يمكن قراءتها خارج سياق الرغبة الأمريكية التقليدية في إدارة الشرق الأوسط كمنطقة نفوذ خالص. لكن ما تغيّر اليوم هو أن الشعوب باتت أكثر وعيًا، وأن موازين القوى لم تعد كما كانت. ورغم أن الأنظمة ما زالت تراهن على واشنطن، فإن المشهد الميداني، من غزة إلى صعدة، يقول شيئًا آخر.
لن تنقذ المنطقة مؤتمرات شكلية، ولا صفقات ظرفية، بل مشروع عربي جامع، يقوم على الكرامة والسيادة والعدالة، ويضع حدًا لعقود التبعية. أما ترامب، فقد ينجح في عقد مزيد من الصفقات، لكنه لن ينجح في شراء مستقبل أمة بدأت تصحو، رغم كل الحطام.














