كعادته، لا يأتي ترامب من فراغ، ولا يغادر بلا مقابل. دخل إلى الخليج مزهوًّا، استُقبل بالطبول والسجاد الأحمر، وأُحيط بهالة من المديح السياسي، حتى خُيّل للمراقب أنه نبيُّ الإنقاذ لا رئيس دولة تقود العالم نحو مزيد من الفوضى.
وخلال 4 أيام معدودات، خرج من تلك الجولة محملًا بصفقات واستثمارات قربت قيمتها أربعة تريليونات دولار، جُمعت في صينية ذهبية ووضعت تحت قدميه، في مشهد لم يعد غريبًا، بل مكررًا حدّ الملل.
ترامب الذي لا يقرأ التاريخ، لكنه يحفظ دفاتر الديون، لم يُقدّم التزامًا واحدًا حقيقيًا للعرب. بل وزّع كلامًا عامًا عن «الاستقرار» و«الشراكة» و«مكافحة الإرهاب»، وهي مفردات صارت تُستخدم لتخدير السامعين لا لتحفيز العقول.
أما قمة الاستعلاء، فكانت في تصريحاته من الدوحة، حين تفضّل علينا بفكرة «امتلاك غزة»، مقترحًا تحويلها إلى «منطقة حرية» تحت الوصاية الأمريكية!
هكذا يتحدث الرجل عن أرض عربية، وكأنها قطعة أرض في مزاد علني، بوقاحة استعمارية تذكّرنا بأيام الانتداب، وتكشف أن فلسفة الإدارة الأمريكية، حين تسقط عنها الأقنعة، لم تتغير منذ القرن الماضي: نحن نقرر، وأنتم تدفعون.
لكن من الذي سمح له بذلك؟! إنها بعض الأنظمة العربية التي فرّطت بالموقف القومي، واستبدلت الهوية بالولاء، وارتضت لنفسها دور التابع المنفّذ لا الشريك الندّ. والنتيجة.. أموالنا تُهدر، أرضنا تُستباح، وكرامتنا تُباع على طاولة التفاوض بلا ثمن.
ترامب، الذي يراه البعض «رجل أعمال»، هو في حقيقته ذئب سياسي، لا يعترف بصداقات دائمة ولا شراكات متكافئة، بل بمصالح آنية تُنتزع كما تنتزع الغنائم. لم يكن يعِبأ بـ فلسطين، ولا سوريا، ولا العراق، ولا لبنان، ولا اليمن، ولا ليبيا، بل بكل ما يمكن أن يُباع أو يُشترى من صفقات سلاح أو قواعد أو صمت سياسي.
إن التاريخ يسخر منا حين نُعيد مشاهد الانبطاح بذات العبارات، ونكرر أخطاءنا بأيدينا. فقد صدق من قال: «من ظنّ أن للذئب دينًا، فقد جُهّل أو تواطأ».
باختصار.. ترامب غادر الخليج، متخمًا بالصفقات، ومحمّلًا برسائل الضعف العربي. أما نحن، فما زلنا نعيش على أوهام الشراكة، وننتظر أن يُحلّ ملف فلسطين بتصريحات عابرة من رئيس أمريكي يرى غزة «فرصة استثمارية»، لا وطنًا جريحًا.
انفضّ مولد سيدي ترامب، واللحن انتهى، وما تبقّى إلا محاسبة النفس، متى نستعيد الكرامة، ونفهم أن الأمن لا يُستورد، وأن الأوطان لا تُباع مهما كانت المغريات؟ حينها فقط.. سينتهي عهد الذئب، ويبدأ عهد الوعي.












