تشهد ليبيا هذه الأيام تطورات أمنية مقلقة تُنذر بتفجر الوضع من جديد، وسط تحركات عسكرية تقودها قوات المشير خليفة حفتر، المدعوم إماراتيًا، في اتجاه الغرب الليبي، في مشهد يعيد إلى الأذهان خطوط الانقسام الحاد بين شرق البلاد وغربها.
وبينما يتحدث البعض عن «تأمين الجنوب»، تشير الوقائع إلى إعادة خلط الأوراق تمهيدًا لحسم ميداني جديد قد يعيد ليبيا إلى نقطة الصفر.
هذا التصعيد العسكري لا يأتي في فراغ. فليبيا اليوم أصبحت ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، حيث تتسابق فيها أطراف عربية وغربية على إعادة تشكيل المشهد وفق حسابات النفوذ والسيطرة.
الدور الإماراتي لم يعد سرًا، سواء في دعم حفتر لوجستيًا وتسليحيًا، أو في التواجد غير المباشر عبر شبكات المرتزقة وشركات الأمن الخاصة. وبالتوازي، تسعى فرنسا إلى تعزيز موطئ قدمها عبر تحالفات ضبابية تتراوح بين السياسي والعسكري، من خلال دعم مجموعات محلية ومناورات دبلوماسية متناقضة.
الجنوب الليبي، بدوره، تحوّل إلى بؤرة خطرة، حيث تنشط ميليشيات خارجة عن السيطرة، بعضها مدعوم استخباراتيًا، مستفيدة من هشاشة الدولة، وانعدام الرقابة على الحدود، وتورط أطراف خارجية في تأجيج الصراع.
هذا التدهور في الجنوب يُعد تهديدًا مباشرًا لدول الجوار، خاصة الجزائر، التي تجد نفسها في موقع مراقبة حذر، وقلق متزايد من تحوّل الجنوب الليبي إلى منصة لزعزعة استقرارها عبر تسلل المرتزقة وتهريب السلاح.
إن ما يحدث في ليبيا لا يمكن حصره ضمن الإطار الداخلي فقط، بل له ارتدادات مباشرة على دول الجوار، وفي مقدمتها الجزائر وتونس، حيث يشكل تمدد الفوضى والميليشيات خطرًا على الحدود واستقرار الأنظمة السياسية والاجتماعية.
كما يمتد التأثير إلى العمق الإفريقي، من خلال تغذية شبكات التهريب والهجرة غير الشرعية، ووصولًا إلى منطقة الساحل التي تعاني أصلًا من هشاشة أمنية.
أما في الشرق الأوسط، فالصراع الليبي يُستغل كأداة ضمن لعبة المحاور الإقليمية، وتحديدًا من قبل بعض القوى التي تسعى لإعادة رسم خريطة النفوذ في شمال إفريقيا.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الحضور المتزايد للاستخبارات الإسرائيلية، خاصة بعد التطبيع العلني بين المغرب وتل أبيب، الذي فتح الباب أمام تعاون أمني وتكنولوجي يُستخدم – وفق تقارير متقاطعة – لرصد التحركات الجزائرية، والتأثير في موازين القوى بالمنطقة.
هذه «الأصابع الصهيونية» وإن كانت خفية في بعض الأحيان، إلا أن تأثيرها واضح في الدفع نحو تفكيك الدول من الداخل، وبث الفتن بين مكونات الشعب الواحد، خدمة لأجندات خارجة عن الجغرافيا الليبية، لكنها تتغذى على استمرار النزيف فيها.
في الغرب الليبي، لا تزال التوترات قائمة رغم تفاهمات ظاهرية. وما يزيد الوضع تعقيدًا هو دخول «تحالفات جديدة» على الخط، مثل التعاون الأمني بين المغرب وتل أبيب، والذي يُنظر إليه في بعض العواصم الإقليمية كجزء من مشروع أوسع لخلق بيئة أمنية ضاغطة على الجزائر وتونس من خاصرتها الغربية.
في هذا السياق، يبدو أن ليبيا لم تعد فقط ضحية لانقسام داخلي مزمن، بل أصبحت مسرحًا مفتوحًا لصراعات جيوسياسية تسعى لتحويلها إلى دولة فاشلة مُوجَّهة، تُدار بالوكالة وتُستثمر في زعزعة استقرار شمال إفريقيا ككل.
ليبيا اليوم أمام منعطف حاسم.. فإما التوجه نحو حوار وطني شامل يستعيد الدولة ومؤسساتها، وإما الانزلاق إلى موجة صراع جديدة ستدفع ثمنها ليس ليبيا فقط، بل كامل المنطقة.














