في لحظاتٍ فارقة من التاريخ، لا تكون المجازر مجرد أحداث مأساوية، بل تتحول إلى مرايا كاشفة لحقيقة العالم، تُسقط الأقنعة وتُعري ما كان يُصاغ في قوالب الإنسانية والعدل والضمير.
هكذا فعلت غزة، لم تكن الحرب الأخيرة التي تعرض لها قطاع غزة فقط عدوانًا إسرائيليًا بوجه عسكري فاق كل حدود العنف، بل كانت في حقيقتها اختبارًا أخلاقيًا وإنسانيًا سقطت فيه منظومة دولية بأكملها.
ففي الوقت الذي دكّت فيه الطائرات الإسرائيلية المنازل على رؤوس قاطنيها، وأبيدت عائلات بأكملها، واستهدفت المدارس والمستشفيات ومخيمات اللاجئين، كان الموقف الغربي غارقًا في الصمت أو التبرير، وكأن الدم الفلسطيني مستثنى من دفتر حقوق الإنسان.
إن ما كشفته الحرب على غزة هو ليس فقط التواطؤ السياسي، بل أيضًا التمييز الصارخ في القيم والمعايير.
فبينما تهبّ العواصم الغربية للدفاع عن حقوق الإنسان في أوكرانيا أو ميانمار أو غيرها، وتُفرض العقوبات الاقتصادية على من يُتهم بانتهاك تلك الحقوق، نجدها تُبرر لإسرائيل «حق الدفاع عن النفس»، وتتعامى عن الأرقام المهولة للضحايا، وكأن العدالة أصبحت حكرًا على جغرافيا معينة، بلون بشرة أو دين أو حليف استراتيجي.
عندما تصاعد التوتر بين إسرائيل وإيران، اهتزّت عواصم العالم، وعقدت اجتماعات طارئة، وتدفقت التصريحات الدبلوماسية من كل حدب وصوب، خوفًا على «أمن المنطقة» و«استقرار الطاقة» و«منع الانزلاق إلى مواجهة شاملة».
لكن وغزة تُقصف وتتعرض لحرب إبدة كاملة منذ انطلاق طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، وتُباد عائلات كاملة في وضح النهار، لم نسمع سوى كلمات خجولة، وتصريحات رمادية، ودعوات لضبط النفس تكاد تساوي بين القاتل والقتيل.
الفرق أن الصراع بين إسرائيل وإيران يمس مصالح الدول الكبرى: خطوط نفط، توازنات نووية، أمن حلفاء.. أما دماء الفلسطينيين، فليست في حسابات البورصات ولا موازنات الأسلحة.
غزة لا تملك نفطًا، ولا تمثل سوقًا رابحة، ولا تُهدد أمن أوروبا، لذلك لا يستحقّ صراخها إلا صمتًا دوليًا مطبقًا، وغض طرف عن المأساة بحجة «تعقيدات الشرق الأوسط».
لكن تبقى الحقيقة، ما لم يغضب العالم اليوم من مجازر غزة، فهو لن ينجو غدًا من عواقب هذا الصمت، لأن العدالة الانتقائية هي أعنف أنواع الظلم، ولأن القيم التي لا تُطبق على الجميع، تفقد معناها وتتحول إلى أدوات للهيمنة.
تزامن هذا الانكشاف الأخلاقي مع نهضة إعلامية شعبية قلبت الطاولة على الروايات الرسمية، فالسوشيال ميديا لم تعد هامشًا، بل تحولت إلى منصة دولية فضحت جرائم الحرب بالصوت والصورة.
وللمرة الأولى، واجه الرأي العام الغربي، وخاصة بين الشباب والطلاب، تناقضات دولهم، وانفصام خطابها عن واقعها، فخرجت التظاهرات من كبرى الجامعات، وتحولت ساحاتها إلى ساحات مواجهة أخلاقية مع صانعي القرار.
إن غزة اليوم، بدمها وركامها ومآذنها المحطمة وأطفالها الذين يُولدون في القبور قبل أن يُولدوا في الحياة، لم تعد فقط الضحية، بل أصبحت شاهدًا تاريخيًا على زمن «مفضوح»، وأمة لا تزال تبحث عن إنسانيتها في ركام الشعارات.
فحين يُقصف الأمل، وتُنسف البيوت، ويُدفن الأحياء تحت صمت دولي، فإن السؤال الذي يعلو وسط الدخان ليس فقط: «من قتل؟» بل: «من سكت؟ ومن بارك؟ ومن زيّن للقتلة جريمتهم؟».
ليس هذه الكلمات دعوة للمناشدة، بل صرخة توثيق، تُسجل في ذاكرة الشعوب لا الحكومات.
إذا كانت غزة اليوم مكشوفةً للدم، فإن العالم هو من كُشف على حقيقته، عالم انتقائي في إنسانيته، انتقائي في إنصافه، ينتصر فقط لمن يشبهه، ويتعامى عمن لا يخدم مصالحه.
غزة، التي لطالما قاومت الموت بالحياة، ما زالت قادرة على أن تكون رمزًا للمقاومة، وكاشفةً للعورات، ومُلهِمة لكل من لا يزال يؤمن بأن للعدل صوتًا، وإن خُنق مؤقتًا تحت ركام العالم.












