في صباح حزين، سالت دماء الأبرياء على الأسفلت، وسقطت 19 شهيدًة من بنات قرية كفر السنابسة بمركز منوف، لا لذنب اقترفوه، سوى أنهن وثقوا في طريق يُفترض أن الدولة مسؤولة عن تأمينه، ومركبة من المفترض أن تمر دون أن تقتل، وحكومة كان واجبها الأول حماية أرواحهن، لا دفنها تحت عناوين «قضاء وقدر» أو «خطأ فردي».
تسعة عشر فتاة في عمر الزهور، خرجن ولم تعدن.. دهستهن شاحنة، دهسهن الإهمال، سحقهن فساد المسؤولين، وقتلتهن يد تقاعس الدولة عن واجبها في حماية أبنائها.
إن ما جرى على الطريق الإقليمي ليس حادثًا عابرًا، بل جريمة مكتملة الأركان، شاهدة على الفشل المزمن في الإدارة، والإهمال الحكومي المتراكم، وانعدام الرقابة، وغياب الردع.. تسعة عشر صبية في عمر الزهور، راحوا في لحظة، تحت عجلات الإهمال، فمن المسؤول؟
هل الطريق الذي تحوّل إلى مقبرة جماعية متنقلة لا يخضع لصيانة؟
هل لا توجد كاميرات أو دوريات رقابة مرورية؟ أين إشارات التحذير؟ أين الرقابة على المركبات؟ أين فحص السائقين؟ أم أننا اعتدنا «موت الطريق» كأمر معتاد لا يحرّك ساكنًا؟
إنها ليست «حادثة»، بل مجزرة مرعبة جرت على الطريق الإقليمي، حاصد الأرواح الذي ما زال يحصد بلا حسيب ولا رقيب.
هل يكفي أن نبكيهن؟ هل يكفي أن تُفتح «لجنة تقصي» وتُلقى التهم على سائق مغمور أو موظف صغير؟ أم أن الرقابة الغائبة، والصيانة المنعدمة، والتخطيط الأعمى، والتقاعس المستدام، جميعها شركاء في الجريمة؟
من المسؤول عن هذا الطريق الذي تحوّل إلى منحدر موت؟ من حوّل شبكات الطرق إلى شِباك تصطاد الأرواح؟ أين الحكومة؟ أين وزارة النقل؟ أين إدارة المرور؟ بل أين صوت الدولة حين يُسحق المواطن تحت عجلات الإهمال؟
هذه الكارثة وحدها تكفي لإقالة حكومة بأكملها في بلد يحترم حياة مواطنيه، ويحاسب مسؤوليه.. أما عندنا، فيُكتفى عادة بتصريحات باردة، ولجان شكلية، ومتهمين من صغار الموظفين ليكونوا «كبش فداء» لفساد ممنهج يلتهمنا في كل زاوية.
كفى صمتًا، كفى استهانة.. لن تجف دماء الطرق مادامت عفاريت الأسفلت تُطلق بلا رادع، ومادامت الدولة تتعامل مع الأرواح وكأنها أرقام في دفتر التعويضات.
لقد تجاوزنا مرحلة الغضب إلى الاشمئزاز، ولم تعد كلمات المواساة تكفي، إن ما حدث في كفر السنابسة يجب أن يكون جرس إنذار صاخب، لا يُقابله الصمت ولا يُغتسل بدموع العزاء.
شهداء كفر السنابسة أمانة في أعناق الجميع، وعلى الدولة أن تُعلن صراحة من المسؤول، وماذا ستفعل كي لا يتكرر هذا المشهد الدموي مجددًا، فالوجع أكبر من أن يُداوى بكلمات العزاء، والخسارة أفدح من أن تُنسى.
الطريق الإقليمي ليس مجرد أسفلت، بل سجل أسود لضحايا بلا عدالة، وما لم يوضع له حد، فإننا جميعًا على موعد قادم مع نعوش أخرى.. تنتظر فقط توقيع الإهمال.














