تمر مصر اليوم بمرحلة فارقة، لا تقبل التهاون، ولا تحتمل الغفلة، فالعالم العربي كله يشهد تغيرات عنيفة في معادلاته، وانفجارات سياسية وأمنية تعيد تشكيل خريطته من جديد.
وفي قلب هذا الإعصار، تقف مصر، بثقلها وموقعها ودورها، لتجد نفسها مستهدفة من الداخل والخارج، وسط تحالف معلن حينًا ومستتر أحيانًا أخرى، يهدف إلى ضرب استقرارها وتشويه صورتها، وإضعاف إرادتها الوطنية.
لقد بات واضحًا أن هناك تحالفًا آثمًا بين قوى داخلية مأجورة وخارجية متربصة، يعمل على تفكيك الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته.
وتتحرك تلك القوى وفق أجندات تخريبية، تستهدف وعي المصريين، وتُستخدم فيها كل الأدوات الجديدة للحروب النفسية والإعلامية، وعلى رأسها الكتائب الإلكترونية الممنهجة التي تزرع الأكاذيب وتنفث السموم وتحرض على الفوضى تحت ستار النقد أو الحرية.
إن ما تتعرض له مصر الآن لا يندرج ضمن الحروب التقليدية، بل هو أخطر منها، إنها حرب تستهدف العقل والوجدان، حرب تسعى إلى إرباك المواطن وتيئيسه، وإشعاره بأن الدولة تنهار، وأن لا أمل في الغد.
واللافت أن هذا المخطط بات مدعومًا من بعض وسائل الإعلام الإقليمية التي كانت تُصنَّف يومًا «صديقة»، لكنها الآن تسير بخطى ثابتة في مسار تقاطع خطير مع الروايات العدائية.
فهل يُعقَل أن نجد منصات إعلامية محسوبة على «محور المقاومة» – وتحديدًا ذات الصلة بـ إيران – تروج لأكاذيب مشبوهة عن مصر، وتقدمها كدولة عاجزة أو تابعة؟ إن تكرار الرسائل السلبية عن دور مصر الإقليمي، ومحاولة التقليل من تضحياتها من أجل استقرار الإقليم، ليس سهوًا إعلاميًا، بل هو جزء من معركة النفوذ المفتوحة في المنطقة، حيث تسعى أطراف متعددة لإعادة تشكيل التوازنات على أنقاض الدول الكبرى.
في الآونة الأخيرة، لم تكن وتيرة الحوادث المتكررة – من حرائق في مرافق عامة، إلى انهيارات، إلى مشاجرات جماعية – مجرد صُدف قدرية أو مصادفات عشوائية كما يُراد لنا أن نعتقد.
بل تزامنت هذه الوقائع مع حملات تضخيم وتهويل ممنهجة، تُسوَّق على المنصات الاجتماعية على أنها مؤشرات «لانهيار الدولة» و«غياب السيطرة»، في محاولة واضحة لتفكيك ثقة المواطن بمؤسساته، وتحميل النظام أعباء كل ما يقع ولو كان خارج إرادته.
لا أحد يُنكر أن هناك أزمات وتقصيرًا في بعض القطاعات، لكن اللافت أن الحوادث باتت تُستخدم كأداة تحريض معنوي، حيث تُضخم في التغطية، وتُربط بسردية الانهيار، ويُعاد تدويرها إعلاميًا بشكل مضاعف، بما يتجاوز الخبر إلى خلق حالة هلع داخلي منظم.
إن هذه السلسلة من «التهويل المتعمد» تهدف إلى إنهاك الجبهة الداخلية نفسيًا، وإضعاف الإيمان الجمعي بالدولة، ما يجعل المواطن يشعر بالعجز والفوضى، ويصبح فريسة سهلة للدعوات الهدّامة.
من يتأمل طبيعة الاستهداف يدرك أن النسيج الوطني المصري هو الهدف الأسمى للمخطط، إذ تسعى أدوات الداخل والخارج إلى تفتيت هذا النسيج عبر الخطاب الطائفي والمناطقي، أو من خلال استغلال التحديات الاقتصادية والاجتماعية، لبث الغضب والفُرقة، إنهم يدركون أن مصر لا تنهار من الخارج، بل فقط حين ينهار الداخل.
لكن ما لا يدركه هؤلاء هو أن الشعب المصري، رغم معاناته ومطالبه المشروعة، يملك وعيًا تاريخيًا متجذرًا، وقدرة فطرية على التمييز بين الحروب الحقيقية والمفتعلة، بين المصلحة الوطنية والمصالح المشبوهة.
ما تحتاجه مصر اليوم ليس فقط المواجهة الأمنية أو الإعلامية، بل نهضة شاملة في الوعي، يجب أن تدرك الدولة أن أقوى سلاح تمتلكه هو الشعب الواعي، المدرك لحجم المؤامرة، والمتمسك بدولته، والمستعد للدفاع عنها، لا بالتطبيل، بل بالصدق، والعمل، والنقد البناء.
نعم، مصر بحاجة إلى مصارحة، إلى مساحات حقيقية للنقاش، وإلى خطاب إعلامي يرتقي إلى مستوى التحديات، لا مجال للمكابرة، ولا وقت للمراوغة، فالمعركة الآن على هوية الدولة، وعلى بقاء المشروع الوطني المصري في وجه مشاريع إقليمية لا تخفي أطماعها.
وسط هذا الزخم من التحديات، يظل الأمل معقودًا على وعي المصريين وتماسكهم، فالتحالفات تتغير، والمصالح تتقاطع، لكن ما يبقى دائمًا هو الشعب، بتاريخه، وإرثه، ووعيه.
مصر لا تُختطف، ولا تُؤكل من الداخل، إذا بقي نسيجها الوطني متماسكًا، ووعي أبنائها حاضرًا، وإيمانهم بدولتهم راسخًا رغم كل المحن.
إنها لحظة صعبة، نعم، لكنها ليست جديدة على المصريين، الذين طالما خاضوا معارك وجودية وخرجوا منها أكثر قوة وصلابة.
فإلى كل من يتربص بمصر: هذه الدولة لن تسقط، لأنها ببساطة، لا تعرف السقوط.
samyalez@gmail.com













