لا تُكتب الكلمات في حضرة الفقد، لكنها تحاول – بعجزها وضعفها – أن تُربّت على قلب يعتصره الوجع، أن تُلملم بعض هذا الحزن الذي يتسلل فينا كسكين بطيئة لا تتوقف عن الغوص في الأعماق.
نحاول بالكلمات أن نمنح الراحل بعضًا من حقه، أن نُهدي لروحه قبسًا من الوفاء، وبعضًا من الضوء، وبعضًا من دموع لم نعد نعرف كيف نحبسها.
في يوم الجمعة، 11 يوليو، خفَتَ النور، توقف الزمن، اختنق الهواء حين توقف قلب فتحي أبو العز عن الخفقان.. توقف فجأة، بلا مقدمات، بلا وداع، وكأن السماء استعجلت روحه، فاختارته من بيننا لتصطفيه في رحابها، وتركتنا على الأرض نتلمّس ملامحه في الذكريات، ونناديه ولا يجيب.
رحل الأخ الأكبر الذي كان عماد البيت وعموده، الأب الثاني الذي لم يطلب شيئًا لنفسه، بل وهب كل شيء لنا، منذ رحل والدنا الشيخ أبو العز عام 1997، لم يُمهل فتحي نفسه يومًا للضعف أو الحزن، حمل الأمانة بثبات الرّجال العظام، ومضى بها دون شكوى، دون أن يلتفت إلى احتياجاته أو حلمه الشخصي، وكأنما وُلد ليكون ضوءًا يسير أمامنا لا خلفنا.
كان وحده «الظلّ الوارف»، و«اليد الحانية»، و«الحكمة الصامتة» التي تُطمئن، وتُساند، وتُداوي من دون أن تطلب مقابلًا، لم يتزوج، لا لأنه لم يُرِد الحياة، بل لأنه اختار أن يعيش لغيره، أن يصير أبًا لكل صغير في العائلة، وسندًا لكل من تقطعت به السبل.
كان قلبه الكبير يئن تحت ألم المرض منذ الطفولة، خاض ثلاث عمليات قلب مفتوح، واستعد للرابعة بروح المؤمن الصابر، لكنه لم يُظهر ضعفًا، ولم يبُح بوجع.
كان كلما سألناه: «كيفك يا فتحي؟» يبتسم ويقول: «الحمد لله.. كله من ربنا جميل»، أيُّ قلب هذا الذي يرى الألم نعمة؟ وأي روح هذه التي تخبّئ كل هذا الرضا؟
ومع المرض، ظل يحمل ريشته كأنها امتداد لقلبه، لا تفارقه، في كل سطر يرسمه، في كل فكرة ساخرة أو لمحة ذكية، كان يسكب من روحه، لم يكن رسام كاريكاتير عاديًا، بل فنانًا استثنائيًا يعرف كيف يُضحكك ويبكيك في آنٍ واحد، كيف يُجسّد قضايا الناس في سطور قليلة، ويغرس البسمة في وجهٍ غارقٍ في التعب، وكان حضوره في صحيفة الأهرام شهادة حياة، وامتدادًا لضمير نقي يليق بفنان صادق.
رحل فتحي.. جسدًا فقط، لكن الذاكرة لن تُفرّط فيه، بقي صوته، ونكاته، ووصاياه الصغيرة، وطريقته في الحياة التي علمتنا أن العطاء لا يحتاج مقابلًا، وأن الصبر يمكن أن يكون جمالًا خفيًا لا يراه إلا من اقترب من الأنقياء.
سلامٌ على قلبك الطيب، يا من كنت لنا الأمان والملاذ.
سلامٌ على ضحكتك، وعلى يدك التي لم تبخل بالعطاء.
سلامٌ عليك يوم وُلدت، ويوم كُسرت ولم تنكسر، ويوم ودّعتنا بلا صوت.
رحمك الله رحمة واسعة، وجعل في صبرك غفرانًا، وفي ألمك أجرًا، وفي ذكراك نورًا لا ينطفئ.
وأسأل الله أن يجعل لك بكل دمعة تذكرك، وكل دعوة تهمس بها القلوب، منزلةً رفيعة في جناته.. وداعا فتحي أبو العز.
https://black-blackandblack.blogspot.com/
إنا لله وإنا إليه راجعون.












