تعيش الضفة الغربية المحتلة اليوم حول أفق ملتهب ينذر بانفجار غير مسبوق بسبب التصعيد الإسرائيلي الواسع النطاق، والزحف الاستيطاني المتسارع، والاعتداءات اليومية ضد الفلسطينيين، والتي تؤكد أن مرحلة جديدة تلوح في الأفق، ربما تكون الأكثر خطرًا منذ الانتفاضة الثانية.
مع اتساع رقعة المواجهة في قطاع غزة وما يحمله من مآسي إنسانية، تصبح الضفة الغربية ساحة مركزية في معركة تصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية عبر العدوان الممنهج وسياسات التهجير والضم التدريجي.
ما يثير القلق بشكل مضاعف هو الانسجام الداخلي داخل الساحة السياسية الإسرائيلية حول خيار الضم.
الحكومة بقيادة بنيامين نتنياهو باتت تتحدث بصراحة عن مصير الضفة كمجال أمني وسياسي تحت السيطرة الإسرائيلية الدائمة، دون إمكانية قيام دولة فلسطينية.
اليمين المتطرف يدفع نحو إجراءات أكثر عدوانية، مثل توسيع الاستيطان ودعم مشاريع قوانين تهدف لتغيير الواقع الديموغرافي.
اللافت أن هذا التوجه لم يعد محل خلاف حقيقي داخل إسرائيل، حيث بات من المقبول لدى معظم التيارات السياسية الصهيونية، بما فيها المعارضة التي تُصنف «معتدلة»، التعامل مع الضم كأمر واقع.
أمام هذا الواقع الشائك، تبدو السلطة الفلسطينية مكبّلة بأعباء التنسيق الأمني والخضوع للشروط السياسية والاقتصادية، غير قادرة على مواجهة ما يحدث أو حتى تقديم خطاب سياسي يرتقي لطموحات الشعب.
هذا الوضع خلق فجوة ملأها جيل جديد من المقاومين الذين يتحركون بحس مستقل في مدن الضفة الساخنة مثل جنين ونابلس والخليل، مبرهنين أن الروح الشعبية الرافضة للاحتلال ما زالت حاضرة رغم القمع اليومي ومحاولات التشتيت.
الصورة العربية قاتمة بشكل لا يُخفى على أي مراقب.. فيما مضى، كانت مجرد نيّة إسرائيل لضم أراضٍ فلسطينية كافية لإشعال المشهد العربي عقد قمم طارئة وتحريك الجهد الدبلوماسي.
أما اليوم، فإن الضم يحدث على الأرض وسط صمت مُطبق أو حتى دعم ضمني من بعض الأنظمة العربية الساعية نحو تطبيع العلاقات مع تل أبيب.
التحولات الإقليمية الأخيرة التي تشمل إعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والأمنية على حساب القضية الفلسطينية تزيد من عزل الفلسطينيين في مواجهتهم المباشرة للاحتلال.
هل الانفجار حتمي؟ الإجابة لم تعد تتعلق بإمكانية حدوث انفجار شعبي في الضفة، بل بكيف ومتى سيحدث؟ التشابه الواضح بين الوضع الحالي والمرحلة التي سبقت الانتفاضتين السابقتين يبرهن أننا أمام مشهد متكرر، ولكن مع تعقيدات إضافية تتعلق بانقسام الصف الفلسطيني وتغير بنية الدعم الإقليمي والدولي.
ورغم مظاهر اليأس والتراجع، يبقى الأمل معقوداً على الإرادة الشعبية التي أثبتت عبر التاريخ أنها عامل قبول المعادلات الجديدة في مواجهة الاحتلال وداعميه.
باختصار.. الضفة الآن تقف عند مفترق طرق بين مسارين خطيرين: خيار الضم الذي يهدد بتصفية القضية الفلسطينية نهائيًا، أو انفجار شعبي يعيد ترتيب الحسابات السياسية محليًا ودوليًا.
وفي ظل الصمت العربي والتغاضي الدولي، يصبح السؤال الملح: هل هناك متسع للعودة أم أن الأمر تجاوز نقطة اللاعودة؟












