تلقيت بعد نشر مقالي السابق: «هل يستوعب الخليجيون الدرس؟ إيران والسيادة المالية في عصر العقوبات» عشرات التعليقات والمداخلات عبر الهاتف والوتساب، والفيسبوك وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، من قراء وزملاء ومهتمين بالشأن الاقتصادي والاستراتيجي.
وكان القاسم المشترك بين معظمها أن القضية المطروحة ليست قضية إيرانية فحسب، بل قضية خليجية وعربية ومصرية بامتياز، وتستحق أن تتحول من مجرد نقاش عابر إلى مشروع وعي متواصل.
ومن بين التعليقات التي استوقفتني ما نقله أحد الزملاء عن وزير مالية في إحدى الدول الخليجية المرتبطة عملتها بالدولار، حين تحدث عن التوجه نحو التعامل مع سلة من العملات بدلاً من الاعتماد المطلق على الدولار.
ولا شك أن هذه خطوة إيجابية ومهمة، لكنها في تقديري ليست سوى بداية الطريق، وليست نهاية المطاف.
فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في الدولار وحده، وإنما في فلسفة الاعتماد الكامل على مركز اقتصادي واحد أو مصدر دخل واحد أو سوق واحدة أو منظومة مالية واحدة.
إن الانتقال من الدولار إلى سلة عملات قد يخفف بعض المخاطر، لكنه لا يبني استقلالاً اقتصادياً حقيقياً إذا ظل الاقتصاد نفسه يعتمد على مصدر واحد للدخل أو على نمط واحد من العلاقات الاقتصادية.
لقد علمتنا التجارب الحديثة أن السيادة السياسية لا تنفصل عن السيادة الاقتصادية، وأن الدول التي تملك قرارها الاقتصادي تكون أكثر قدرة على حماية قرارها السياسي.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه دول الخليج على نفسها اليوم ليس: كيف نقلل الاعتماد على الدولار؟ بل: كيف نبني شخصية اقتصادية خليجية مستقلة ومتنوعة؟
لقد حققت دول الخليج خلال العقود الأخيرة إنجازات تنموية هائلة، وأصبحت تمتلك صناديق سيادية ضخمة واستثمارات عالمية ومراكز مالية مؤثرة، لكن التحدي الأكبر لا يزال قائماً.
فالبترول، رغم أهميته الاستثنائية، يظل مورداً واحداً.
والتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الأمم التي تعتمد على مورد واحد تظل أكثر عرضة للتقلبات والضغوط من الأمم التي تمتلك اقتصاداً متنوعاً ومتعدد الروافد.
ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس مجرد تنويع العملات، بل تنويع مصادر القوة نفسها.
تنويع الاقتصاد.
تنويع الاستثمار.
تنويع الشراكات الدولية.
تنويع الأسواق.
تنويع التكنولوجيا.
تنويع مصادر الغذاء والطاقة والمعرفة.
بل وتنويع أدوات النفوذ الاقتصادي.
إن دول الخليج تمتلك رؤوس الأموال، وتمتلك الموقع الجغرافي، وتمتلك الاستقرار النسبي، وتمتلك القدرة على الاستثمار طويل المدى.
لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى ما هو أبعد من إدارة الثروة؛ تحتاج إلى صناعة الثروة.
تحتاج إلى الانتقال من اقتصاد يعتمد على استخراج الموارد إلى اقتصاد يعتمد على إنتاج المعرفة.
ومن اقتصاد يصدّر المواد الخام إلى اقتصاد يصدّر التكنولوجيا والخدمات والابتكار.
إن بناء الشخصية الاقتصادية الخليجية لا يعني الانفصال عن العالم، ولا معاداة الولايات المتحدة أو الغرب أو الشرق، بل يعني امتلاك القدرة على الحركة بحرية داخل النظام الدولي دون الوقوع في أسر طرف واحد أو مسار واحد.
وهذا هو الدرس الأهم الذي ينبغي أن نتأمله فيما يحدث لـ إيران اليوم.
فالقضية ليست الاتفاق أو الاختلاف مع النظام الإيراني، وإنما فهم الدرس الاستراتيجي الكامن خلف التجربة.
العالم يتغير.
وموازين القوى تتغير.
والأدوات المالية أصبحت جزءاً من أدوات الصراع الدولي.
ومن لا يمتلك بدائل اقتصادية ومالية حقيقية قد يجد نفسه في لحظة ما أمام خيارات محدودة مهما بلغت ثرواته.
لهذا فإن معركة المستقبل ليست معركة النفط وحده، ولا معركة العملات وحدها، وإنما معركة بناء اقتصاد قادر على الصمود والمنافسة والاستقلال النسبي في عالم شديد الاضطراب.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل تكتفي دول الخليج بإدارة الثروة النفطية؟
أم تبدأ فعلاً في صناعة شخصية اقتصادية متكاملة تكون قادرة على حماية مصالحها أياً كانت التحولات الدولية المقبلة؟
ذلك هو التحدي الحقيقي.
وذلك هو الدرس الذي ينبغي ألا يمر مرور الكرام.












