منذ بدأ الحديث عن انتهاء الحرب على غزة بشكل مؤقت، بدأت الاجتماعات الدولية والإقليمية تتكثف لرسم ما يُسمى بـ«اليوم التالي» للحرب.
الغريب في الأمر أن هذه الطاولات تغص بالمبعوثين الدوليين والوسطاء الإقليميين- من واشنطن إلى بروكسل، ومن القاهرة إلى الدوحة- بينما يبدو أن الغائب الأكبر عن هذه المشهد هو الشعب الفلسطيني نفسه، من الواضح أن القرارات تُصاغ وتتداول بعيداً عن أصحاب القضية الأساسيين.
في الآونة الأخيرة، ظهرت شخصيات كالمبعوث البريطاني الأسبق توني بلير للحديث عن «إعادة الإعمار» و«الإدارة المدنية»، وكأن غزة مجرد ملف إداري يُنظم بإشراف خارجي بمعزل عن إرادة الفلسطينيين.
هذا الحديث يتجاهل واقعاً دامياً خلفه العدوان المتكرر، أكثر من 62 ألف شهيد وأعداد لا تُحصى من الجرحى والنازحين خلال أقل من عامين فقط، السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو أين ممثلو الفلسطينيين من هذه الطاولات؟ ولماذا يتم تهميش الشعب الفلسطيني عندما يتعلق الأمر بمستقبل وطنهم؟
ما يحدث اليوم يعيدنا بالذاكرة إلى عصر الاستعمار ومخططات التقسيم الأجنبية مثل اتفاقية سايكس-بيكو، آنذاك، رُسمت حدود المنطقة بخرائط أجنبية دون اعتبار لإرادة أصحاب الأرض.
واليوم، يبدو أن السيناريو يتكرر بتعبيرات جديدة؛ فهناك أحاديث تدور حول «قوات دولية انتقالية» و«إدارة مشتركة» يُستثنى منها الفلسطينيون تماماً.
هذه الخطط لا تبدو إلا تكريساً لمنطق تفكيك الوحدة الفلسطينية غزة مرادفة لفكرة «بلا حماس»، الضفة «بلا سلطة قوية»، وفلسطين عامةً دون أي سيادة حقيقية.
من اللافت أن الغرب الذي يصرخ بأعلى صوته دفاعاً عن «حق الأوكرانيين في تقرير مصيرهم»، يغض الطرف تماماً عن الحق الفلسطيني في الشيء ذاته، رغم أنه حق أصيل لشعب يعيش تحت الاحتلال منذ أكثر من سبعين عاماً.
ازدواجية المعايير هذه تُبرز انتقائية سياسات القوى الدولية وتفتح تساؤلات حول مدى نزاهتها.
إن أي خطة لا تضع الفلسطينيين في قلب المعادلة محكوم عليها بالفشل، فقد أثبت التاريخ مراراً أن الحلول المفروضة من الخارج تُعد وصفات جاهزة لخلق أزمات جديدة بدل حل القائم منها.
غزة وأهلها لا يحتاجون إلى أوصياء أو مَن يُملي عليهم شروط الحياة الكريمة، بل يحتاجون إلى رفع الحصار، إنهاء الاحتلال، وضمان حقهم في تقرير مصيرهم وإدارة شؤونهم بأنفسهم.
يبقى سؤال جوهري يفرض نفسه في خضم كل هذا هل ما يجري اليوم هو محاولة لإعادة إنتاج الاستعمار ولكن بآليات «ناعمة» تحت شعار إعادة الإعمار؟














