لقد تعبنا من الكلام الناعم والعبارات الدبلوماسية الباهتة، تعبنا من البيانات التي تُكتب بخطوط أنيقة ولا تُنفذ، من مؤتمرات القمم التي تُغلق أبوابها على قرارات لا يسمع بها أحد.
لكن قمة قطر جاءت في توقيت استثنائي، وسط حريق شامل في جسد الأمة، لتعلن دون مواربة: إما أن نعيد بناء أنفسنا… أو نُمحى من الخريطة.
نحن لا نعيش لحظة عادية. نحن وسط إعصار، الأمة تمزقت، الجغرافيا أصبحت خطوطًا متحركة مرهونة بتفاهمات الدول الكبرى، والهوية العربية الإسلامية تتعرض لأبشع عملية تشويه عرفها التاريخ.
من فلسطين الجريحة إلى اليمن المنكوب، من سوريا التي تحولت إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية، إلى السودان الذي يُقسم بالحديد والنار، والعراق الذي يتعافى ببطء وسط محاولات جديدة لاستنزافه، ولبنان المختنق، وليبيا الممزقة… كل بلد أصبح ساحة حرب أو مسرح فساد أو حقل تجارب.
أما الشعوب، فتموت ببطء: خبزها مسموم، دواؤها مفقود، تعليمها منهار، مستقبلها مسروق، الطبقات الكادحة التي تبني وتزرع وتحرس، أصبحت تعيش على الهامش، في العتمة، تُسحق كل يوم تحت أقدام الفساد والاستبداد والتبعية.
العامل والفلاح والمثقف الشريف والمواطن البسيط، جميعهم يدفعون ثمن الخيانات، والصفقات المشبوهة، والقرارات المهزوزة.
قمة قطر جاءت لتكسر هذا الجمود، لتكسر هذا الصمت المخزي، ولتقول بوضوح: كفى، لا مكان بعد اليوم للمجاملات، لا مكان للحياد في معركة المصير. من يقف مع الأمة فله مكانه في الصفوف الأمامية، ومن يخذلها فليستعد للمحاسبة.
أوجاعنا واضحة ولا تحتاج إلى شرح مطول
نُحاصر في هويتنا ونُستنزف في ثرواتنا
نُفتّت في وحدتنا ونُستهدف في سيادتنا
نُحارب بالوكالة في حروب لا نملك قرارها
نُطبع مع العدو بينما يُسفك دمنا بلا ثمن
نُستباح في مقدساتنا والمسجد الأقصى يصرخ كل يوم ولا من مجيب
نُسلخ ثقافيًا، ونتحول إلى تابع غربي بلا وعي أو موقف
أما الخطر الأكبر، فهو الانفصال النفسي والثقافي بين الحاكم والمحكوم، كثير من الأنظمة العربية تعيش في قصور من زجاج، معزولة عن شعوبها، تظن أن العرش يدوم، وأن الحماية تأتي من الخارج. لكن قمة قطر قالتها ضمنيًا: لن يدوم عرش دون شعب، ولا قرار بدون كرامة.
الحل ليس معقدًا، لكنه يتطلب شجاعة حقيقية
أولًا: لا وحدة بلا إرادة من يملك قراره، يملك مستقبله.
يجب تأسيس مجلس عربي إسلامي أعلى، دائم وفاعل، لا يخضع للمجاملات ولا للمصالح الضيقة.
هذا المجلس يرسم السياسات الكبرى، ويقود الملفات المصيرية كفلسطين والوحدة الاقتصادية والدفاع المشترك.
ثانيًا: يجب بناء تكتل اقتصادي عربي إسلامي مستقل، يضم الدول ذات القدرات الإنتاجية والزراعية والطاقوية، ويقطع جذور التبعية لصناديق الإقراض الأجنبية والمؤسسات الغربية. لا يعقل أن نملك ثروات الأرض، ونستورد غذاءنا ودواءنا وأمننا من الخارج.
ثالثًا: يجب وقف نزيف التطبيع مع العدو الصهيوني، من يطبع اليوم، إنما يطبع فوق دماء الشهداء، فوق جثث الأطفال في غزة، وفوق صرخات الأسرى في سجون الاحتلال، قمة قطر يجب أن تكون بداية لميثاق شرف عربي إسلامي: لا اعتراف بالاحتلال، لا خيانة للقدس، لا تفريط في شبر من الأرض.
رابعًا: يجب إطلاق مشروع ثقافي شامل، يعيد بناء وعي الشعوب، ويواجه التغريب والانحلال والتفاهة التي تملأ الفضاءات الإعلامية، نريد إعلامًا يُربي لا يُسطّح، نريد تعليمًا ينتج مفكرين لا نسخًا مكررة، نريد ثقافة تقاوم الاستسلام ولا تروّج له.
خامسًا: لا بد من رد الاعتبار لقضية فلسطين، لا كشعار بل كمشروع نضالي حقيقي. غزة ليست هامشًا. الضفة ليست قضية منسية. المقاومة ليست إرهابًا، بل هي شرف الأمة، ورمز كرامتها.
والأهم: الشعوب ليست غائبة ولن تقبل بالتجاهل بعد الآن
من قلب الشارع، من فم العامل، من صرخة الفلاح، من عرق الجندي البسيط، نقولها دون مواربة:
لن تنجح أي قمة ما لم تنحاز للفقراء
لن تُكتب شرعية لمن لا يسمع صوت الجياع
لن تنجح خطة ما لم تكن جذرية، عادلة، وشاملة
لن نحارب عن أنظمة تبيع الشعوب وتُقبل الأيادي الأجنبية
نريد قادة لا يترددون، لا يخافون من الغرب، لا يهربون من قرارات المصير
نريد مشروعًا، لا شعارات
فعلاً، لا كلامًا
ولأعداء الأمة… رسالتنا صريحة
لن تنفعكم صراعاتنا الداخلية لأننا بدأنا نفيق
لن تفيدكم خلافاتنا القديمة لأننا نطويها بإرادتنا
لن تستمر هيمنتكم لأننا نعيد بناء وعينا وسلاحنا ووحدتنا
نحن أمة إن قررت، غيرت التاريخ
نحن أمة إن توحدت، دهست إمبراطوريات
وإن استيقظت، لن تُهزم مرة أخرى
الخلاصة: نحن أمام مفترق طرق إما أن نكون أو لا نكون، إما وحدة تحفظ الأرض والعرض والدين، أو فوضى تفتح الأبواب لكل غازٍ وخائن ومحتل.
قمة قطر ليست النهاية بل البداية.. بداية مشروع نهضة… أو بداية المعركة الأخيرة، فليختر كل قائد موقعه، ولتُفتح الأبواب أمام صوت الشعوب، أما نحن، فلن نقبل بعد اليوم أن نُدار من خلف الكواليس، أو أن نُباع في أسواق المصالح
الكرامة أولًا
العدالة أولًا
الاتحاد أو الزوال
القيادي العمالي ومؤسس ورئيس المجلس القومي للعمال والفلاحين (تحت التأسيس)











