التاريخ لا يظلم العظماء، لكنه قد يتأخر أحيانًا في إنصافهم، فلا يُذكرون بما يليق بمقام عطائهم إلا بعد سنوات طويلة، من بين هؤلاء الرجال الذين صنعوا صفحات مضيئة في سجل الوطن، يقف نعمان باشا الأعصر، عمدة المحلة الكبرى وأحد بناة النهضة الصناعية في مصر، شاهداً على أن الوطنية ليست شعارات، بل تضحيات عملية تخلّد الأسماء في وجدان الأمة.
نعمان باشا الأعصر وصناعة المجد
عُرف نعمان باشا الأعصر وأسرته بوقوفهم مع الناس في الشدة والرخاء، وكانت زوجته من رائدات العمل الخيري، لكن عطاءه الحقيقي تجسّد حين ربط مصيره بمصير وطنه، فآمن أن بناء صناعة وطنية قوية هو السلاح الحقيقي للاستقلال الاقتصادي.
وإذا كان طلعت باشا حرب قد أسّس بنك مصر ليكون قاطرة الاقتصاد الوطني، فإن نعمان باشا الأعصر كان الذراع التي مدّت الأرض والمال والعزم لتأسيس مشروع شركة مصر للغزل والنسيج، المشروع الذي رفع المحلة الكبرى إلى مصاف المدن العالمية، وجعل النسيج المصري ينافس أقوى المصانع الأوروبية.
من الحلم إلى المشروع القومي
في البداية، كان طلعت حرب يحلم بمصنع صغير على مساحة لا تتجاوز 32 فدانًا، لمواجهة هيمنة الشركات الأجنبية على صناعة الغزل والنسيج.
وقد طُرحت عدة أماكن مرشحة: أبو كبير بالشرقية، سخا بكفر الشيخ، سمنود بالغربية، والمحلة الكبرى. هنا ظهر المعدن الوطني لنعمان باشا الأعصر؛ فاشترى الأرض المطلوبة على نفقته الخاصة، وأضاف إليها ستمائة فدان كاملة من أراضيه، ليقفز المشروع من فكرة محدودة إلى قلعة صناعية عملاقة مساحتها الإجمالية نحو 630 فدانًا.
لم يكن هذا مجرد تبرع بالأرض، بل كان رهانًا على مستقبل مصر، وإعلانًا أن الوطن يستحق التضحية، ومن رحم هذا المشروع ولدت مدينة صناعية متكاملة، تغيّر وجهها للأبد، وأصبحت قبلة التصدير إلى أوروبا والعالم.
يوم خالد في تاريخ مصر
حين جاء يوم افتتاح شركة مصر للغزل والنسيج، شرف الملك فؤاد – ملك مصر والسودان – الحفل بحضوره، في مشهد جسّد وحدة القيادة الوطنية والشعبية في خدمة مشروع قومي.
وفي هذا اليوم، لم يفوّت نعمان باشا الأعصر الفرصة، فعرض على الملك بيع استراحته الخاصة وتحويلها إلى نادٍ اجتماعي يخدم أهالي المدينة، وهو ما أصبح فيما بعد نادي بلدية المحلة الكبرى، رمزاً للعطاء الاجتماعي بجانب الإنجاز الصناعي.
عطاء ممتد لا يعرف التوقف
لم يتوقف إسهام نعمان باشا عند حدود الأرض أو المصنع، بل امتد ليشمل تطوير البنية التحتية للمحلة الكبرى؛ فأنشأ الطريق الدائري للمدينة، وجدّد الكباري والجسور على بحر الملاح، مما سهّل حركة التجارة والصناعة، ورسّخ مكانة المحلة كعاصمة للصناعة المصرية.
كان يدرك أن النجاح الاقتصادي لا يقوم على مصنع واحد، بل على منظومة متكاملة من الطرق والخدمات التي تُيسر الحياة وتُسرّع التنمية.
الدروس والعِبر للأجيال
إن قصة نعمان باشا الأعصر ليست مجرد سطور في كتب التاريخ، بل هي رسالة واضحة للحاضر والمستقبل:
أن الوطن يُبنى بالعطاء الصادق لا بالتصريحات.
أن رجال الظل الذين لا يسعون للشهرة قد يكونون حجر الزاوية في أعظم الإنجازات.
أن التنمية الحقيقية تحتاج إلى تكاتف المال والفكر والإرادة السياسية معاً، كما فعل طلعت حرب ونعمان باشا الأعصر.
اليوم، ونحن نعيش مرحلة فارقة من تاريخ مصر بقيادة واعية، تتبنى مشروعات قومية كبرى في البنية التحتية، والزراعة، والصناعة، والطاقة، لا بد أن نستحضر تجربة هؤلاء الرواد، فهي تؤكد أن الاستثمار في الوطن ليس خسارة، بل هو الرهان الرابح دائمًا، وأن من يعطي لمصر لا يذهب عطاؤه هباءً، بل يُخلّده التاريخ وتردده الأجيال.
كلمة حق
لقد رحل نعمان باشا الأعصر تاركًا وراءه إرثًا يليق بالعظماء: أرضًا تحوّلت إلى مصانع، ومصانع تحوّلت إلى قلاع إنتاج، ومدينة تغيّر وجهها بفضل إيمانه، وإذا كان التاريخ قد كتب بحروف من ذهب اسم طلعت حرب كقائد للنهضة الاقتصادية، فإن الإنصاف يقتضي أن نضع اسم نعمان باشا الأعصر إلى جواره، شريكًا في صناعة المجد، ورمزًا للوطنية الصافية التي لم تبخل على مصر بشيء.
إننا حين نتحدث عن هؤلاء الرجال العظماء، فإننا لا نحيي ذكراهم فقط، بل نستلهم منهم العزيمة لنكمل الطريق، ونؤكد أن مصر ستظل قادرة بأبنائها على صنع المعجزات، بالأمس واليوم وغداً.














