في ظل هذا الزمن المضطرب، حيث تتشابك الأزمات وتتداخل المصالح، لم تعد المعارك مجرد مواجهات عسكرية أو نزاعات على الموارد، بل أصبحت حربًا على الوعي والهوية والانتماء.
هناك من يعمل بخبث ودهاء على تفكيك الأمة من الداخل، في محاولة للتفرقة بين أبناءها، ومن ثم إضعافها ليُعاد تشكيل مستقبلها وفق أهداف تخدم مصالح الغير، والنتيجة.. شرق أوسط جديد، يخلو تدريجيًا من ملامحه المألوفة وهويته الراسخة، في كتب التاريخ منذ ألاف السنين.
إن الفتن التي تشتعل عن عمد بين الدول العربية من آن لآخر ليست وليدة الصدفة، فهناك أياد تعمل على إذكاء نيرانها، مستغلة ضعف التماسك العربي لصالح أجندات لا ترى في اتحاد العرب إلا تهديدًا صريحًا لمخططاتها الاستراتيجية.
وتحت مظلة التحديث والانفتاح، تُنسج السياسات بمهارة، لتتحول القضية الفلسطينية – التي كانت رمزًا للعروبة – إلى ورقة ضغط وتفاوض تُساوم عليها القوى العالمية والإقليمية.
إن الهدف الأكبر ليس مجرد سرقة الأرض أو تغيير الحدود، وإنما اقتلاع الروح والمعنى من وجدان الأمة واستبداله بصيغ تفتقر إلى الأصالة والجوهر.
وسط هذه الدوامة المتشابكة، تبقى مصر حجر الزاوية الذي يحافظ على استقرار الأمة العربية، بحكمتها وقيادتها السياسية الواعية وموقعها التاريخي ودورها الرائد، كانت ولا تزال نبض العروبة الذي يرفض الخمود، وصمام الأمان الذي يحمي وحدة الصف العربي من الانهيار.
مصر لم تنحز يومًا سوى إلى ضمير الأمة، ولم تفقد بوصلتها رغم تغير الأحوال وتبدل التحالفات، وهي دائمًا الحاضرة في اللحظات الحرجة، تملأ الفراغ حين يفتقد العرب قيادة جامعة تستنهض القيم وتعيد التوازن.
ما يجري اليوم من محاولات لتحييد الدول العربية هو جزء من مخطط أكبر يهدف لتصفية القضية الفلسطينية تدريجيًا وتطويع العواصم المحورية الواحدة تلو الأخرى.
من بثّ الطائفية وتعميق الصراعات الاقتصادية والسياسية إلى إشاعة الانقسامات الاجتماعية، كلها أساليب مدروسة لتفتيت الصف العربي وتحويل الأمة إلى كيانات متناحرة واستنزاف قواها.
لكن الشعوب العربية بدأت تدرك أصل المعركة الحقيقي، فقد أصبح واضحًا أن النزاع لم يعد فقط حول الأرض أو السيادة الجغرافية، بل بات يتجاوَز ذلك ليصل إلى الذاكرة والهوية الجامعة.
لذا فإن إعادة توجيه الجهود والاصطفاف خلف الغايات المشتركة أصبح ضرورة ملحة، خاصة في وجه من يحاول رسم مستقبل الأمة وفق رغباته.
هنا يظهر دور مصر مجددًا كحجر الأساس في إعادة بناء الوعي العربي، فهي لا تسعى للهيمنة أو القيادة المطلقة، بل تعمل كركيزة يُستند إليها في أحلك الظروف.
مصر التي قدمت للعروبة دماءً وجهودًا عبر تاريخها الطويل هي اليوم الأقدر على أن تكون الصوت الذي يعيد صياغة مرحلة جديدة من الفهم الجمعي العربي والإسلامي تقوم على التكامل والاستقلال واحترام الذات.
لقد حان الوقت كي يدرك العرب – حكوماتهم وشعوبهم – أن النجاة لا تكون بالعزلة والانفراد في القرار، بل بالاتحاد حول المحور المصري الذي أثبت أنه القادر على استنهاض الفعل الجماعي العربي.
حين تقوى القاهرة، تستعيد الأمة قدرتها على الصمود والتوازن، أما إذا تعرضت للهجوم أو التحجيم، فإن ذلك يشكل تهديدًا مباشرًا لكل دولة عربية تسعى للحفاظ على موقفها المستقل.
التاريخ يُعيد نفسه بأشكال مختلفة، ففي قصة سيدنا يوسف، فرّق الإخوة صفّهم فخسروا جميعًا، واليوم، من يحاول تحييد دور مصر يُكرر ذات الخطأ، إذ يُضعف الأمة بأكملها بدلًا من تقويتها.
لذلك، فإن الوقت قد حان للوعي العربي كي يستعيد يقظته ويُدرك أن الفتن ليست قضاءً مكتوبًا بقدر ما هي صنعة تحاك بإتقان لإضعاف إرادتنا الموحدة.
مصر ستظل دائماً المنارة التي تهدي السفن التائهة في بحار الفوضى نحو بر النجاة، والالتفاف حولها ليس خضوعًا بل إدراكًا بأن قوة الأمة تنبع من اتحاد مصيرها المشترك، فـ «فلسطين» ليست مجرد صفقة سياسية تُبرم في كواليس التفاوض، والعروبة ليست شعارًا يُرفع لمآرب شخصية، والكرامة لا تُجزأ.. أفيقوا يرحمكم الله.














