في مقال سابق حذّرتُ بشدة من خطر تدحرج كرة الثلج في المغرب، واتساع رقعة الاحتجاجات، ووصولها إلى مواجهة مفتوحة مع القوات الحكومية، اليوم، وبعد أربعة أيام متواصلة من الاضطرابات، يبدو أن التحذير لم يكن مبالغًا فيه، فالأحداث تكشف تصعيدًا مقلقًا لا يعلم أحد إلى أين سينتهي.
الأرقام وحدها صادمة، 263 من عناصر الأمن و23 مدنيًا أصيبوا، واعتقال أكثر من 400 شخص، الشوارع تحولت إلى ساحات عنف؛ قنابل مولوتوف وسكاكين وحجارة، سيارات محترقة، بنوك ومتاجر ومبانٍ حكومية تعرضت للتخريب.
هذه ليست مجرد «احتجاجات عابرة»، بل إنذار حقيقي بأن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بلغت حد الانفجار.
المفاجأة أن هذه الاحتجاجات لم تخرج من رحم حزب سياسي أو تيار تقليدي، بل يقودها جيل جديد أطلق على نفسه اسم GenZ 212، ينظم صفوفه عبر «تيك توك» و«إنستغرام» و«ديسكورد»، جيل يعلن رفضه للعنف، لكنه يستهدف الحكومة مباشرة ويرفع مطالب واضحة: تحسين التعليم والرعاية الصحية وتوفير فرص العيش الكريم.
إنها رسالة صريحة: لم يعد في وسع هذا الجيل أن ينتظر وعودًا لا تتحقق، وهو جيل لم يعد يؤمن بالوسائط التقليدية في التعبير، بل يصنع مساحاته الرقمية، ويترجم غضبه إلى فعل مباشر في الشارع.
وهنا أكرر التحذير، وهذه المرة أوجهه بشكل أوضح: إلى الملك وإلى الحكومة، أنتم على مقاعدكم بفضل إرادة الشعب، وواجبكم أن تحققوا آماله ومطالبه، لا أن تديروا له الظهر.
الاستجابة لمطالب الشارع ليست ضعفًا، بل قوة وحكمة، تجاهلها أو التعامل معها بالمكابرة لن يؤدي إلا إلى المزيد من الفوضى والاحتقان، وهو ضد مصلحة الدولة وضد مصلحة السلطة وضد مصلحة الشعب معًا.
إن الفساد المستشري، والبطالة التي تخنق الشباب، وتدهور مستوى الخدمات، ليست قضايا يمكن ترقيعها بخطاب سياسي أو وعود جديدة، بل تحتاج إلى إصلاح حقيقي، وإلى قرارات جريئة توفر للمواطن المغربي حياة كريمة تحفظ له كرامته وتعيد له ثقته في مؤسسات بلاده.
إن أي عناد أو إنكار في هذا التوقيت لن يجلب سوى العواقب الوخيمة، وعلى السلطة أن تدرك أن هذا الجيل ليس كالأجيال السابقة؛ وعيه مختلف، وأدواته مختلفة، وصبره أقل، إذا شعر بأن صوته يُكبت، فسوف يبحث عن طرق أخرى لفرض مطالبه، ووقتها قد تتجاوز كرة الثلج حدود السيطرة.
أشاع الكثيرون على وسائل التواصل الاجتماعي بهروب الملك وعائلته وانشقاق الجيش ولكن لا يعنيني إن كان الملك موجودا في المغرب، وأن الجيش متماسك ولم ينشق، فهذا وحده لا يكفي، الاستقرار لا يُبنى على الأمن وحده، بل على عقد اجتماعي متجدد، يضمن عدالة اجتماعية حقيقية، ويعيد الثقة بين الدولة والمجتمع.
إن المغرب اليوم أمام مفترق طرق خطير: إما الاستماع لصوت الشعب والتعاطي مع مطالبه بجدية ومسؤولية، وإما الانزلاق نحو فوضى لا يعلم أحد كيف تبدأ ولا كيف تنتهي.
التاريخ لن يرحم من تجاهل إشارات الإنذار المبكر، والوقت لم يعد في صالح أحد.














