«منظر شاحب للتلال» A PALE VIEW OF HILLS يعرض ضمن فاعليات مهرجان الجونة السينمائي في دورته الثامنة، الفيلم مأخوذ من «منظر شاحب للتلال» ( 1982 ) هي أولى روايات الكاتب الحائز على جائزة نوبل كازو إيشيجورو .
حازت الرواية على جائزة وينيفريد هولتبي التذكارية عام 1982، الرواية والفيلم، مستمدان من تجربة إيشيجورو الشخصية في الانتقال من ناجازاكي إلى مقاطعة سَري عندما كان في الخامسة من عمره، ونشأ في بريطانيا مع عائلة يابانية، «منظر شاحب للتلال» عرض ضمن قسم «نظرة ما» في مهرجان كان السينمائي.
أنه دراما غامضة تتتبع كشف ذكريات سرية لأرملة يابانية تنتقل بين ناجازاكي في اليابان بعد الحرب في الخمسينيات وإنجلترا في الثمانينيات، أننا أمام عمل يرسخ لتطلعات وآمال ومخاوف الجيل الذي نشأ في اليابان، كان سريع التغير بعد أهوال الحرب العالمية الثانية والقصف الذري.
سعيها الحثيث لفهم تاريخ
«منظر شاحب للتلال» هي قصة إيتسوكو، امرأة يابانية في منتصف العمر تعيش بمفردها في إنجلترا، تبدأ الرواية بنقاش بين إيتسوكو وابنتها الصغرى نيكي حول انتحار كيكو، ابنة إيتسوكو الكبرى
في سعيها الحثيث لفهم تاريخ عائلتها في اليابان قبل ولادتها، تسأل نيكي والدتها عن فترة وجودها في ناجازاكي، يمتد هذا العمل على خطين زمنيين، ويستكشف تاريخ عائلة الكاتبة وتراثها الثقافي ببراعة، ليقدم سردًا مؤثرًا ومُفعمًا بالأمل لتأثير الحرب على الأجيال. تُقدم كاميلا أيكو أداءً آسرًا بدور الباحثة عن الحقيقة، التي تُرشدنا عبر الماضي.
خلال زيارة ابنتها نيكي، استذكرت إيتسوكو حياتها كشابة في اليابان، وكيف غادرت البلاد للعيش في إنجلترا، تصف إيتسوكو حياتها مع زوجها الياباني جيرو، وأنجبت منه ابنة، وبعد بضع سنوات التقت برجل بريطاني وانتقلت معه إلى إنجلترا.
أخذت ابنتها الكبرى كيكو إلى إنجلترا لتعيش معها ومع زوجها الجديد، عندما رُزقت إيتسوكو وزوجها الجديد بابنة، أرادت إيتسوكو تسميتها باسم «عصري»، بينما أراد زوجها اسمًا شرقيًا، فاتفقا على اسم «نيكي»، الذي يبدو لإيتسوكو اسمًا بريطانيًا بامتياز، ولكنه يبدو لزوجها يابانيًا بعض الشيء.
فتاة تُصوّرها ذاكرة إيتسوكو
في إنجلترا، تزداد كيكو انعزاليةً وانطوائيةً، تتذكر إيتسوكو كيف كانت، مع تقدمها في السن، تحبس نفسها في غرفتها ولا تخرج إلا لتلتقط طبق العشاء الذي كانت والدتها تتركه لها في المطبخ، ينتهي هذا السلوك المزعج، بانتحار كيكو.
تقول إيتسوكو لنيكي: «كان والدك مثاليًا في بعض الأحيان… كان يعتقد حقًا أننا نستطيع أن نوفر لها حياةً سعيدةً هنا… لكن كما ترين يا نيكي، كنت أعرف ذلك منذ البداية، كنت أعرف منذ البداية أنها لن تكون سعيدةً هنا».
تخبر إيتسوكو ابنتها نيكي أن لها صديقة في اليابان تُدعى ساتشيكو، كان لساتشيكو ابنة تُدعى ماريكو، فتاة تُصوّرها ذاكرة إيتسوكو على أنها شديدة العزلة وانطوائية.
تتذكر إيتسوكو أن ساتشيكو كانت تخطط لأخذ ماريكو إلى أمريكا مع جندي أمريكي يُعرّف عنه فقط باسم «فرانك»، من الواضح أن قصة ساتشيكو تحمل أوجه تشابه مذهلة مع قصة إيتسوكو.
المخرج يتمتع بإتقانٍ مُتقن للغة السينما، ويُبدع في استخلاص أداءٍ مُتقنٍ من ممثليه، مع سيناريورائع، وغامض ومؤثر، حيث رصد تغير أنماط الحياة والقيم باستمرار، بينما يظل المستقبل غير مؤكد، هذه ماتطرحه الشخصية العميقة للبطلة من خلال تتبع ذاكرة امرأة واحدة، ما بين اليابان في الخمسينيات وإنجلترا في الثمانينيات – وهما حقبتان خضعتا أيضًا لتحولات نموذجية – كوسيلة سرد بمواضيع عالمية تتعلق بالحاضر.
كازو إيشيجورو روائي وكاتب سيناريو وموسيقي وكاتب قصص قصيرة بريطاني من أصل ياباني، وهو أحد أكثر مؤلفي الخيال المعاصر الذين نالوا إشادة النقاد ممن يكتبون باللغة الإنجليزية، حيث حصل على العديد من الجوائز الأدبية الكبرى، بما في ذلك جائزة نوبل في الأدب لعام 2017.
وفي إشادتها، وصفت الأكاديمية السويدية إيشيجورو بأنه كاتب «كشف، في روايات ذات قوة عاطفية كبيرة، الهاوية الكامنة وراء شعورنا الوهمي بالاتصال بالعالم».
يحقق المخرج توازنًا رائعًا بين عالمين في خطين زمنيين مختلفين، يتخيل ويصمم اليابان في الماضي وإنجلترا المعاصرة ببراعة بفضل براعة مصممي الإنتاج آدم مارشال وهيرويوكي واجاتسوما، والمدير الفني جيمس تيرنر، ومصممة الديكور هانا سبايس، ومصممي الأزياء ماثيو برايس وساياكا تاكاهاشي.
جوٌّ طاغٍ من القلق
اللوحة الواسعة التي يعمل عليها في الفيلم مُلوَّنة بعناصر الغموض والتأمل التي تُميّز الفيلم، ثمة جوٌّ طاغٍ من القلق يكمُن وراء السرد الهادئ ظاهريًا، وشيءٌ غامضٌ حول عائلةٍ تبدو طبيعيةً ظاهريًا، رغم ثكلى أحبائها. يُميّز الغموض علاقة ساشيكو وإيتسوكو بها، وخاصةً بوفاة كيكو المُبكرة.
غالبًا ما تُضفي كثرة الغموض تعقيدًا مُزعجًا على الأمور، كما أن التمثيل، باستثناء أداء هيروسي ويوشيدا، يفتقر إلى الطبقات الكافية للتعبير عن المشاعر والمؤامرات والتعقيدات.
تُصبح مُشاهدة الفيلم بحد ذاتها مُجرد محاولة لربط هذه الأجزاء المُختلفة من اللغز، يُوظّف مخرج كل هذا وأكثر في هيكلة السرد ودفعه نحو خاتمة تُجيب على بعض الأسئلة، إن لم يكن جميعها، لكن الفضول لا يدوم طويلًا بما يكفي، على الرغم من الأناقة والبساطة العامة، والتلاعب بين الواقع والمجاز.
تقلبات الهويات والثقافات
يدور هذا الإنتاج المشترك بين اليابان والمملكة المتحدة وبولندا حول الأسرار والأكاذيب، فهو يجمع بين الشخصي والتاريخ الوطني، وندوب الحرب والقنبلة التي تعكس الصدمات الفردية والاضطرابات العائلية التي تتحمل النساء والأطفال وطأتها.
كما يتناول العمل الحركة الإنسانية – الهجرات والنزوح التي حدثت آنذاك، والتي تحدث الآن وستستمر في المستقبل، والأهم من ذلك كله، أنه يتعلق بالتنوع والشمول وتقلبات الهويات والثقافات، قد لا يكون موطنك دائمًا هو المكان الذي تنتمي إليه، وقد يكون المكان الذي تنتقل إليه هو الوطن الذي يسكنه القلب، أو ربما لا.
أحد الألغاز الكامنة التي تُغذّي الفيلم يدور حول العلاقة الغريبة بين إيتسوكو وساشيكو، المرأتان، كما تذكرها إيتسوكو، تبدوان متشابهتين بشكلٍ مُريب، مما قد يفرض أن إحداهما قد تكون انعكاسًا للأخرى.. هذا الغموض المُتعمّد يجعل الفيلم مُتقلّبًا بشكلٍ مُثير، مُعكسًا كيف تتذكر الأمم أو تُفكّك تمزقات تاريخها المؤلمة.














