فتحت دول عديدة أبوابها منذ سنوات طويلة، أمام موجات اللجوء للهاربين من الحروب والفقر والاضطرابات، انطلاقًا من واجب إنساني وأخلاقي، ومن التزام دولي يحفظ للإنسان حقه في الحياة والكرامة عندما تضيق به أرضه.
لكن ما لا يريد البعض الاعتراف به هو أن للجوء حدودًا، تمامًا كما أن للتعاطف حدودًا، وللقدرة الاقتصادية حدودًا، ولطاقة الدول على الاحتمال حدودًا.
تحولت قضية اللجوء في كثير من البلدان من ملف إنساني مؤقت إلى واقع دائم يفرض أعباء هائلة على الخدمات العامة والبنية التحتية وأسواق العمل والتعليم والصحة والإسكان.
وبينما يستمر العالم في إلقاء الخطب الرنانة عن حقوق اللاجئين، تُترك الدول المستضيفة وحدها لتدفع الفاتورة الثقيلة نيابة عن الجميع.
ليس عداءً للاجئين أن نسأل: من يدفع الثمن؟ وليس كراهية للغرباء أن نتساءل: إلى متى تستطيع دولة تعاني أصلًا من أزمات اقتصادية وضغوط معيشية متفاقمة أن تتحمل أعباء إضافية بالملايين، بينما يعاني مواطنوها من الغلاء وتراجع الخدمات وصعوبة الحياة؟
الدول ليست جمعيات خيرية مفتوحة بلا سقف، وليست كيانات بلا موارد أو التزامات، والدولة التي لا تحمي مصالح مواطنيها أولًا، تفقد مبرر وجودها الأساسي، فالأولوية في أي وطن يجب أن تكون للمواطن الذي يحمل أعباء الوطن ويشارك في بنائه ويتحمل نتائج سياساته.
لقد نشأت في السنوات الأخيرة حالة من الابتزاز الأخلاقي في بعض النقاشات العامة؛ فمجرد الحديث عن تنظيم اللجوء أو مراجعة سياساته أو حساب تكلفته الاقتصادية أصبح كافيًا لإطلاق اتهامات جاهزة بالتعصب أو العنصرية.
والحقيقة أن الفرق كبير بين رفض الإنسان ورفض الفوضى، وبين احترام اللاجئ وتحويل اللجوء إلى وضع دائم بلا ضوابط أو مراجعة.
الحق في اللجوء لا يعني الحق في تجاوز القانون، والحق في الحماية لا يعني الحق في استنزاف موارد الدول إلى ما لا نهاية، كما أن الواجب الإنساني لا يعفي المجتمع الدولي من مسؤولياته في تقاسم الأعباء بدلًا من ترك دول بعينها تتحمل وحدها نتائج أزمات لم تكن طرفًا في صناعتها.
وإذا كان العالم حريصًا فعلًا على اللاجئين، فليكن كريمًا في الدعم كما هو كريم في التصريحات، أما أن تكتفي القوى الكبرى بإلقاء الدروس الأخلاقية بينما تتحمل دول الجوار وحدها الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، فذلك ليس تضامنًا، بل هروب من المسؤولية وتصدير للأزمة إلى الآخرين.
وفي السياسة كما في الحياة، لا تُقاس النوايا الحسنة بحجم الشعارات، بل بقدرة الدول على الاستمرار، فالدولة التي تعجز عن حماية مواردها، وتفقد قدرتها على تلبية احتياجات مواطنيها، لن تكون قادرة على حماية أحد، لا مواطنًا ولا لاجئًا، ومن حق اللاجئ أن يجد الأمان والكرامة، لكن ليس من حق أحد أن يطالب الأوطان بدفع ثمن أزمات العالم وحدها.
السيادة ليست ترفًا سياسيًا، والحدود ليست مجرد خطوط مرسومة على الخرائط، بل هي حق أصيل للدول في تنظيم وجودها وحماية استقرارها ومستقبل شعوبها.
وبين واجب الإنسانية وحق الوطن لا ينبغي أن يكون هناك تناقض، بل توازن عادل يحفظ الكرامة للجميع دون أن يتحول التعاطف إلى عبء يهدد بقاء الدولة نفسها.
نعم للرحمة، نعم للحماية، نعم للكرامة الإنسانية، لكن نعم أيضًا لحق الأوطان في الدفاع عن مصالحها وصون مواردها وحماية مواطنيها، فكما أن للدول حدودًا، وللسيادة حدودًا لا يجوز تجاوزها، وللقدرة على الاحتمال حدودًا لا يمكن إنكارها، فإن للاجئين أيضًا حدودًا.













