القدس لا تشكو ضعفها، لكنها تُذكرنا بضعفنا، من فوق قبابها العتيقة، ومن بين حجارتها التي حفظت صوت الأذان ونداء الأجراس، يتردّد سؤال يطارد كل عربي: أين أنتم؟
هي لا تطلب المستحيل، ولا تستجدي نصرة، بل تُذكرنا فقط بأننا كنا يوما أمة إذا صاحت لبى التاريخ، وإذا غضبت ارتجف الطغاة.
القدس ليست مدينة على خريطة تتنازعها القوى، بل مرآة تُظهر ما فينا من قوة أو ضعف، من إخلاص أو تفرق.
حين يعلو فيها الأذان تحت حراب الاحتلال، يعلو معها ميزان الشرف في كل قلب عربي.
كل حجرٍ فيها يحمل اسما عربيا، وكل شجرة زيتون تُقسم أن جذورها من تراب واحد هو تراب العروبة الممتد من المحيط إلى الخليج.. لكن العروبة – كما القدس – تعاني الحصار ذاته، حصار الوعي، وحصار الموقف، وحصار الإرادة.
ما يجري في القدس ليس حدثا معزولا، بل فصل من رواية طويلة تُكتب بدم العرب منذ عقود.
القدس اليوم هي الشاهد على مأساة التشرذم، وعلى غياب الرؤية المشتركة التي تجمع الأمة في مواجهة المخطط الذي يُراد لها.
لقد أُنهكت الأوطان في معارك جانبية، واستُنزفت الطاقات في الخلافات، حتى صار صوت القضية المركزية خافتا بين ضجيج الفُرقة.
لكن فلسطين، رغم ذلك، ما زالت البوصلة الوحيدة التي تذكرنا بأن مصير العرب واحد، وأن سقوط القدس هو سقوط لكل عاصمة عربية في القلب والكرامة.
إن مسؤولية العرب تجاه القدس لا تُقاس بالتصريحات ولا بالمواسم، بل بمقدار حضورها في الضمير والسياسة والتعليم والإعلام.
القدس لا تحتاج إلى بكائيات، بل إلى وعي متجدد يُعيد ترتيب الأولويات، ويُدرك أن لا نهضة لأمة تنسى جرحها الأقدم.
إن الدفاع عن القدس ليس مجرد تضامنٍ مع فلسطين، بل دفاع عن هوية مهددة، وعن ذاكرة تحاول قوى الشر محوها من الأجيال القادمة، فإذا ضاعت القدس من الوجدان، ضاعت معها فكرة الأمة نفسها.
هنا يتجدد دور مصر، كما كان دائما، ركيزة للأمة ودرعا لقضاياها.. مصر التي لم تتأخر يوما عن واجبها تجاه فلسطين، ولم تتاجر بدماء أطفالها أو بقدسية قضيتها.
من قلب القاهرة خرجت الدعوات للمصالحة، ومن حدودها سالت قوافل الإغاثة إلى غزة، ومن صوتها في المحافل ظل الموقف ثابتًا، أن القضية الفلسطينية ليست عبئا على العرب، بل هي معيار شرفهم أمام العالم.
لذلك تبقى مصر – برصيدها التاريخي وثقلها الحضاري – العمود الفقري للعروبة الحقيقية، التي لا تُقاس بالشعارات، بل بالفعل والإيمان.
القدس ليست وحدها، لأن كل جرحٍ عربي هو امتداد لجراحها.. في غزة المحاصرة، ودمشق الجريحة، وطرابلس المرهقة، والخرطوم الموجوعة، تُكتب الفصول الأخرى من ذات الحكاية.
إنها ليست معارك منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة تحاول أن تقطع خيوط النور عن أمة وُجدت لتبقى منارة للعدل والإنسانية.
يا عرب، إن القدس لا تنتظر العجائب، بل تنتظر أن نستيقظ من سبات طويل، أن نعود إلى ما كنا عليه أمة واحدة، ذات قلب واحد، وكرامة لا تقبل القسمة.
حين تتوحد الإرادة، يتحرر الحجر قبل الإنسان، وتنهض الأمة من بين الرماد كما نهضت مرارا عبر التاريخ.
القدس تنادي، لا لتُذكرنا بمأساتها، بل لتوقظ فينا ما تبقى من نخوة وعقيدة وشرف.
القدس ليست وحدها، لكنها ستبقى وحدها ما لم نؤمن حقا أن مصيرنا يبدأ من بوابتها، وأن الطريق إلى الكرامة يمر من حجارتها.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا














