في زمنٍ تتراجع فيه الأصوات، ويعلو فيه الصمت كأنه شريك في الجريمة، خرج الكنيست الإسرائيلي ليعلن تصديقه على ضم الضفة الغربية، في خطوة تلخص الغطرسة التي لم تعرف حدودا ولا خجلا.
يظنون أن الورق يمنحهم شرعية، وأن الحبر يغير هوية الأرض، لكنهم نسوا أن الضفة ليست سطرا في قرار باطل، بل نبض أمة وذاكرة أبدية لا يملك أحد انتزاعها عن جذورها.
الكنيست، وهو يمرر قانون الضم، لم يفعل سوى أن يضيف فصلا جديدا في سجل طويل من الجرائم التي ترتكب منذ لحظة اغتصاب فلسطين.
لم يكتفوا بمصادرة الأرض، بل يحاولون الآن مصادرة الحقيقة، وتطويع التاريخ ليخدم روايتهم المزيفة.. الحقيقة لا تزور، والحق لا يشترى، والاحتلال لا يصبح سيادة مهما طالت سنوات البطش.
الضفة الغربية ليست مجرد مساحة على الخريطة، بل هي القلب الذي يضخ الحياة في فلسطين كلها، كل شجرة زيتون فيها تحفظ اسم صاحبها، وكل حجر فيها يحمل بصمة من بنوه بأيديهم قبل أن يهدمه المحتل.
من أين لـ إسرائيل أن تدعي السيادة على أرض ما زال كل شبر فيها يقاوم وجودها، حتى بصمته وصبره؟ ولازالت بحور دماء الشهداء المتدفقة تكتب «لا» للمستعمر والمحتل الغاصب.
حين يقر الكنيست هذا القانون، فإنه لا يوجه رسالة إلى الفلسطينيين وحدهم، بل إلى الأمة العربية والإسلامية بأكملها.. إنه يقول للعرب: أين أنتم؟، ويقول للمسلمين: أين غيرتكم على أولى القبلتين وثالث الحرمين؟، إنه اختبار حقيقي للضمير الجمعي، وللإرادة التي أرهقها الخلاف وشتتها الصمت.
من يظن أن ضم الضفة مسألة داخلية إسرائيلية فقد أخطأ الطريق، ما يجري اليوم هو مشروع لمحو الوجود العربي من قلب فلسطين، وإعادة رسم خريطة المنطقة على مقاس القوة لا العدالة.
وكل من يسكت، أو يتعامل مع هذا الضم كأمر واقع، إنما يشارك – بوعي أو بغير وعي – في جريمة سرقة التاريخ من أصحابه.
أما مصر، فهي تدرك بوعيها التاريخي العميق أن الأمن القومي لا ينفصل عن فلسطين، وأن ما يجري في الضفة الغربية ليس شأنا بعيدا عن حدودها ولا عن وجدانها.
مصر كانت وستظل حجر الزاوية في الدفاع عن الحق العربي، صوت العقل حين يغيب، والدرع حين يشتدّ الخطر.
ليعلم قادة الاحتلال ومن خلفهم أن القرارات والقوانين لا تغير الحقائق، وأن الضمّ لا يُبطل الانتماء، ولا يؤثر على القضية.
كل ذرة تراب في الضفة تعرف أصحابها، وكل شهيد فيها كتب اسمه على الصفحة الأولى من التاريخ، سنقولها مدوية من المحيط إلى الخليج «لا سيادة لإسرائيل على الضفة الغربية، ولا شرعية لاحتلال مهما اشتد جبروته، فالأرض لأهلها، والباطل زائل، وفلسطين ستبقى عربية الوجه، حرة القلب، لا تنكسر ولا تباع».













