التعليم في مصر يعيش حالة «تأجيل مفتوح» منذ سبعين عامًا، تأجيل يشبه الوعد الذي لا يأتي، أو الإصلاح الذي لا يُولد.
كل وزير يأتي بابتسامة ووعود ساخنة، ثم يغادر بعد سنوات تاركًا خلفه لافتة مكتوب عليها: «نعتذر.. التطوير مؤجل لأجل غير مسمى».
منذ أيام ثورة يوليو 1952، والبلاد تتعامل مع التعليم كما يتعامل الموظف مع ورق مكدس فوق مكتبه ويخشى الاقتراب منه: «نتصرف بكرة» ويظل الغد يوما لا ندركه، حتى صارت نصف قرن وأكثر! كل جيل دخل المدرسة على وعد أن القادم أفضل، وكل جيل خرج وهو يقول للذي بعده: «اصبر.. الحكومة لسه بتطور»، حتى شاخ التطوير نفسه بعد بلوغه سن التقاعد القانونية.
الوزراء في هذا الملف يشبهون مقدمي البرامج أكثر من صانعي السياسات: كثير من الكلام، كثير من التصريحات، كثير من «الرؤية الشاملة»، ولا أثر على الأرض.
المنظومة تترنح بين تعديل المناهج، وإلغاء الامتحانات، وإعادة تسميتها، حتى صارت كتبنا أكثر تحديثًا من مدارسنا، وشعاراتنا أكثر أناقة من واقعنا.
أما الوزير الحالي، محمد عبد اللطيف، فهو الحلقة الأخيرة في مسلسل طويل من «النيّات الطيبة والفشل المؤسسي».. يتلقى الضربات على مواقع التواصل، ويُحاكم على نتائج تراكمت من قبله بسنوات، لكنه – مثل سابقيه – اختار الطريق الأسهل: الكلام عن التحول الرقمي في مدارس تواجه كل أنواع المعوقات لتستمر في تأدية واجبها بالحد الأدنى للمتطلبات التعليمية.
ولأننا شعب لا يفقد الأمل، ونعتمد نظرية طول العمر تبلغ المراد، فما زلنا ننتظر المعجزة القادمة.. ربما وزير جديد، أو مؤتمر دولي، أو منصة إلكترونية سحرية تُنقذ التعليم من قبره.
الحقيقة المرة أن التعليم لا يحتاج «تطبيقًا ذكيًا»، بل قرارًا شجاعًا، بأن التعليم ليس رفاهية، بل هو حياة.
لقد صارت دولتنا تتفنن في تأجيل المستقبل، حتى صار التعليم نفسه مؤجلًا مثل كل أحلامنا الكبرى، والسؤال البسيط الذي لا يجرؤ أحد على الإجابة عنه: متى نتوقف عن تأجيل الغد؟














