في كل صباح من أيام العام الدراسي، يخرج الأطفال من بيوتهم بوجوهٍ باهتة، يحملون على ظهورهم حقائب أثقل من أحلامهم، ويسيرون نحو مدارسهم كمن يساق إلى ساحة الحكم.
لا يدرون أن ما ينتظرهم ليس علما يفتح لهم أبواب المستقبل، بل منظومة تُمارس عليهم «إعدامًا بطيئًا» باسم التعليم.
تتفاخر الوزارة بالمناهج «المطورة»، وبالخطط التي «تواكب العصر»، بينما الواقع يقول إننا ندفن عقول أبنائنا تحت أكوام من الكتب، والواجبات، والامتحانات المرهقة.
أخطاء التعليم لم تعد مجرد ثغرات في السياسات، بل صارت جرائم فكرية تُرتكب عن سبق إصرار، دون دراسة أو وعي بعواقبها.
العقل الصغير الذي يُراد له أن يُبدع، يُقهر، ويُكبل، ويُغرق في تفاصيل لا تترك له مجالًا للتفكير الحر أو التساؤل.
لقد تحولت المدرسة من منارة للمعرفة إلى سجن للعقول، المعلم مثقل بالروتين، الطالب مرهق، والمنهج جامد لا يعرف الرحمة.
تُطالب الوزارة بنتائج تفوق الخيال، لكنها تنسى أن الإنسان ليس آلة تُبرمج بالأوامر، بل روح تحتاج إلى رعاية، وعقل يحتاج إلى مساحة كي يزدهر.
عقول التلاميذ لم تعد تحتمل هذه الضغوط، وظهورهم النحيلة انحنت وتقوّست تحت ثقل الحقيبة المدرسية، إنهم أطفال شاخوا في المهد؛ يُساقون إلى سباق لا يفهمون غايته، ولا يُسمح لهم بالانسحاب منه.
وما بين سطور المناهج، وفي زحمة الامتحانات، يُعدم الطالب كل يوم، يُعدم خياله حين يُطلب منه الحفظ بدل الفهم، ويُعدم صوته حين يُمنع من السؤال، ويُعدم طموحه حين يُقاس مستقبله برقم في ورقة.
إن إعدام الطلاب بهذه الطريقة سيخلق لدينا جيلاً مشوهًا، جيلًا فاقد الشغف، لا يرى في التعليم نافذةً للحرية، بل جدارًا يُسدّ أمامه كل أفق.
جيلًا لا يبتكر، لأنه تربى على الخوف من الخطأ، ولا يبدع، لأنه تعلّم أن الصواب محفوظ في صفحةٍ واحدة من كتاب رسمي.
إذا كانت الأمم تُبنى في المدارس، فإن ما يجري في مدارسنا الآن ليس بناءً بل هدمًا ممنهجًا.
التعليم لم يعد طريقًا للنهضة، بل صار مسرحًا تتكرر فيه مأساة «إعدام طالب» كل يوم، وسط تصفيق رسمي لا يسمع أنين الضحايا.
آن الأوان أن تعي الوزارة أن التعليم ليس سباقًا في الحفظ، ولا حشوًا في العقول، بل هو بناء إنسانٍ يفكر، ويتساءل، ويخطئ، ثم يتعلم.
أخطر ما يمكن أن ترتكبه دولة بحق أبنائها، هو أن تقتل فيهم الرغبة في التعلم، وتظن أنها بذلك تُخرج أجيالًا ناجحة.
باختصار.. كل طالب يُعدم داخل فصله، هو مستقبل يُعدم خارج أسوار المدرسة.














