ما زالت أصداء فوز زهران ممداني الديمقراطي الإشتراكي المسلم بمنصب عمدة نيويورك تتوالى ليس في أمريكا وحدها بل في دول ومناطق أخرى، وكأنه زلزال له توابع وهزات عنيفة.. وهذا ما دفع وسائل الإعلام العالمية إلى تسليط الضوء على زلزال نيويورك.
كان تقرير موقع «دويتشه فيله» الألماني من أقوى التقارير الإخبارية التي تناولت فوز ممداني، وأعجبني التحليل السياسي لهذا الفوز والعبارات القوية التي جاءت في التقرير وهي عبارات لخصت المشهد بأكمله.
قال التقرير في تناوله لتأثير هذا الفوز على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.. إن الخطر الذي يراه ترامب في ممداني ليس خطرًا أيديولوجيًا فقط، بل خطر العدوى السياسية.
فقد نجح هذا المرشح الشاب في استمالة شرائح من الناخبين الديمقراطيين، بل وبعض ممن صوّتوا لترامب نفسه، وذلك من خلال خطاب بسيط وواضح يدور حول تكلفة الحياة اليومية من سكن وطعام ومواصلات وتعليم.. إنها اللغة التي يفهمها الناس أكثر من شعارات «عظمة أمريكا» أو «استعادة المجد».
إن انتصار ممداني ليس مجرد انتصار شخصي، بل إعلانا عن تحول عميق في المزاج السياسي الأمريكي، من شعار «أمريكا أولا» إلى شعار جديد، أكثر إنسانية: «الناس أولا» ولعل ذلك تحديدا هو ما يجعل زهران ممداني أسوأ كوابيس دونالد ترامب.
هذا ما رصده تقرير دويتشه فيله.. باختصار كشف هذا التحليل السياسي عن التغير الذي حدث للناخب الأمريكي وهو أن الناس لم تعد تهتم بالشعارات الجوفاء التي ظل ترامب يرددها طوال الفترة الماضية والتي تحدث فيها عن عظمة أمريكا، وأمريكا أولا، وأمريكا العظمى، وأمريكا التي لا تقهر، وأمريكا التي تمتلك الغواصات النووية والصواريخ العابرة للقارات وطائرات الشبح.
وذهب الناس إلى شعارات أخرى بسيطة شعارات ملخصها «الناس أولا».. أحوال الناس أصبحت المحرك الرئيسي لأي تغيير.. فالحياة اليومية للمواطن الأمريكي اليوم أصبحت لا تختلف كثيرا عن حياة المواطن في دول أخرى كثيرة إذا اعتمدنا على المضمون بعيدا عن الشكل.
المواطن الأمريكي بات يعاني من التضخم الذي حرمه من شراء سلع أساسية في «البقالات».. هذا فضلا عن المعاناة في إيجارات المساكن والعلاج والمواصلات والتعليم وغيرها من الأمور المعيشية.. كل هذا دفع الناس إلى انتخاب اشتراكي مسلم ليكون عمدة لعاصمة المال والأعمال في أمريكا في تحول يعد تهديدا لرمزية المدينة التي طالما اعتبرها ترامب معقلًا للرأسمالية الأمريكية ولنفوذه الشخصي.
لم ينتبه الناخب الأمريكي إلى صرخة ترامب عشية الانتخابات عندما أطلق تحذيرا، بدا أقرب إلى صرخة سياسية منه إلى تصريح انتخابي وذلك عندما قال: «أوقفوا زهران ممداني.. أو استعدوا لدفع الثمن».
كان التحذير عنيفا في اللغة والمضمون معا.. لأن الرئيس هنا لم يكن يخشى مرشحا عاديا.. بل يخشى فكرة أن يتربع مسلم اشتراكي على عرش المدينة التي طالما كانت رمزا للرأسمالية الأمريكية.. لكن الذي حدث هو أن الناخب الأمريكي رد على التحذير بصفعة قوية ربما لا تتوقف عند حدود نيويورك .














