يقدّم برنامج «دولة التلاوة» الذي تتبناه وزارة الأوقاف خطوة جادة ومقدَّرة في مسار تجديد وتطوير المدرسة المصرية في فن التلاوة، واكتشاف المواهب الشابة وإعادة الاعتبار لصوت القرآن وروح الأداء.
وهو برنامج رائد في فكرته وأثره، غير أنّ بعض جوانبه لا تزال بحاجة إلى مراجعة هادئة تعزز من قوته ولا تنتقص من قيمته.
فأوّل ما يلفت النظر هو تشكيل لجنة التحكيم؛ القلب الحقيقي لأي مسابقة جادّة، إذ يبدو هذا التشكيل غير مكتمل بغياب متخصص موسيقي يتقن قراءة خريطة الصوت ومسارات الأداء، ويمتلك أدوات تقييم الطبقات والنبرات والانتقالات الصوتية.
ففن التلاوة، وإن كان قرآنًا وروحًا، إلا أنه أيضًا صوت وأداء له قواعد فنية لا يمكن تجاهلها، وهنا تظهر فجوة واضحة تحتاج إلى سدّ.
كما يبرز في اللجنة وجود أسماء لا تحمل وزنًا علميًا أو فنيًا موازياً لطموح البرنامج، الأمر الذي قد لا يضيف إلى التجربة ما تستحقه من قيمة، ولا ينسجم مع هدف البرنامج في صناعة نموذج تلاوة راسخ ومؤثّر.
ومن الملاحظات كذلك أن وجود الوزير على المنصة — مع كامل التقدير لشخصه ومنصبه — يضع اللجنة في مساحة شديدة الحساسية، وربما يحدّ عمليًا من حرية القرار النقدي الدقيق، في حين أن مقتضى النزاهة الفنية أن تعمل اللجنة في بيئة مستقلة تمامًا، بعيدة عن أية اعتبارات بروتوكولية.
وبرغم هذه الملاحظات، فإن الإنصاف يقتضي التنويه بما يقدمه فضيلة الشيخ حسن عبد النبي، وبما يضيفه الدكتور طه عبد الوهاب من خبرة مقامية أصيلة؛ فإسهامهما يظل قيمة حقيقية في قراءة الأصوات وتهذيب المواهب.
إن برنامجًا بهذا الطموح يحتاج إلى لجنة تُبنى على الاختصاص والخبرة وحدهما، لا على المجاملات أو التوازنات الشكلية، وإعادة تشكيل اللجنة ليست رفاهية، بل ضرورة لاستكمال البناء، وضمان أن يخرج البرنامج بالصورة التي تليق بمدرسة التلاوة المصرية وتاريخها الممتد.
إن هذه الملاحظات — وهي تُطرح بروح المحبة والإصلاح — كفيلة بأن تجعل من «دولة التلاوة» برنامجًا عالمي المستوى بحق؛ برنامجًا يعيد للقرآن مكانه الرفيع في النفوس، ويكتشف الطاقات الكامنة في شباب هذا الوطن، ويرمم ما تهدّم من حضور المدرسة المصرية في ميدان التلاوة.
فالطريق واضح… صحّحوا المسار، يكتمل البناء، ويبلغ البرنامج غايته.














