ليست الهزيمة قدرًا، ولا الانكسار طبيعة في الأمة العربية، لكن ما جرى ويجري هو ثمرة مرة للخيانة حين تتحول إلى سياسة، وللطمع حين يصبح عقيدة حاكمة، فالأمم لا تسقط فجأة، بل تُستنزف ببطء، وتُطعن من الداخل قبل أن يُجهز عليها الخارج.
لقد امتلكت هذه الأمة من التاريخ، والموارد، والعقول، والبشر، ما كان يكفيها لتكون في مقدمة العالم، لا في ذيله، لكن السؤال المؤلم: كيف تحولت من أمة تصنع الحدث إلى أمة تستهلكه؟ من أمة تقاوم إلى أمة تبرر؟ الإجابة ببساطة موجعة: حين باع بعض أبنائها أوطانهم، وحين فضّل آخرون حساباتهم البنكية على كرامة شعوبهم.
الخيانة لم تعد استثناءً، بل أصبحت في بعض العواصم نهجًا رسميًا، تُغلف بشعارات «الواقعية السياسية» و«المصلحة الوطنية»، بينما حقيقتها ارتهان كامل للإرادة الأجنبية.
كيف نتحدث عن استقلال، وقواعد المحتل تملأ الأرض؟ كيف نرفع أعلام السيادة، وقراراتنا تُكتب في سفارات الخارج؟ تلك ليست سياسة، بل إفلاس أخلاقي.
أما الطمع، فهو الوجه الآخر للخيانة، طمع السلطة التي لا تشبع، وطمع النخب التي راكمت الثروات على حساب العمال والفقراء، وطمع من حوّل الدولة إلى شركة خاصة، والشعب إلى عبء.
في كثير من بلداننا، لم تعد الدولة أداة لخدمة الناس، بل صار الناس وقودًا لبقاء السلطة، تُنهب الثروات، وتُسحق الطبقات الكادحة، ثم يُطلب منها الصمت باسم «الأمن» و«الاستقرار».
كقيادي عمالي، أقولها بوضوح: لا يمكن الحديث عن نهضة عربية في ظل تجويع العمال، وسحق الفلاحين، وتهميش الشباب، العدالة الاجتماعية ليست ترفًا فكريًا، بل شرطًا أساسيًا لأي مشروع تحرري.
كيف نطلب من عامل مسحوق أن يدافع عن وطن لا يدافع عنه؟ وكيف نطالب شابًا بلا أمل أن يحلم بمستقبل في وطن سُرقت أحلامه؟
الأنظمة التي اختارت القمع بدل الإصلاح، والفساد بدل الشفافية، والتحالف مع الخارج بدل الاتكاء على شعوبها، هي التي فتحت أبواب الانهيار، وحين انفجرت الأزمات، لم تبحث عن حلول حقيقية، بل عن شماعات: مرة باسم الإرهاب، ومرة باسم الفوضى، بينما الجذر الحقيقي هو غياب العدالة والكرامة.
ورغم كل هذا السواد، لا تزال الأمة العربية قادرة على النهوض، نعم، قادرة، لأن الشعوب لم تمت، ولأن الوعي يتراكم، ولأن العمال والكادحين ما زالوا يحملون في صدورهم حسًا فطريًا بالعدل والانتماء، الخطر ليس في قوة الأعداء، بل في استمرار الخيانة والطمع دون محاسبة.
نحن بحاجة إلى مشروع عربي جديد، لا يُبنى في الغرف المغلقة، بل في الشارع والمصنع والجامعة والحقل، مشروع يُعيد الاعتبار لقيمة العمل، ويضع الإنسان قبل الربح، والسيادة قبل الصفقات، والكرامة قبل المناصب، مشروع يُسقط قداسة الفساد، ويكسر تحالف المال والسلطة، ويعيد للدولة دورها الاجتماعي.
إن الأمة التي أنجبت الثورات، وقدمت الشهداء، وصنعت حضارة، لا يمكن أن تموت، لكنها أيضًا لن تُبعث من جديد إلا إذا اقتلعت جذور الخيانة، وكبّلت شهوة الطمع، وفتحت الطريق أمام حكم يعبر عن الناس لا عن سادته في الخارج.
التاريخ لا يرحم، والشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى، والدرس الأهم: لولا الخيانة والطمع، ما انهارت الأمة العربية… ولولا المقاومة والوعي، لن تنهض من جديد.
قيادي عمالي ومحلل سياسي













