الغلاء في مصر حقيقة يومية لا يمكن تجاهلها، تجاوز كونه أزمة عابرة مرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية أو النزاعات الخارجية، ليصبح عنصرًا يعيد صياغة تفاصيل حياة الملايين بشكل جذري ومؤلم.
ارتفاع الأسعار استهدف كل جانب من جوانب حياة المواطنين، بدءًا من رغيف الخبز الذي كان رمزًا للأمان الغذائي، مرورًا بأسعار الأدوية التي أصبحت عبئًا يثقل كاهل المرضى، وصولًا إلى فواتير الكهرباء والاتصالات وأسعار المواصلات التي أصبحت خارج نطاق السيطرة.
أما أسعار الشقق التي تجاوزت الملايين، فقد أصبحت حلمًا بعيد المنال للشباب والأسر، بينما تشتعل نفقات التعليم وشؤون الحياة الملحة على جمر الأسعار اليومية.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس «لماذا ترتفع الأسعار؟» بل «إلى متى سيستمر هذا التصاعد بلا رحمة؟».
الحكومة، وعلى طريقتها المعتادة، علّقت الأزمة على شماعة العوامل الخارجية، حروب هنا، اضطرابات هناك، سلاسل إمداد متعثرة وأسواق عالمية غاضبة.
لا شك في أن هذه العوامل لها دورها، لكن هل يمكنها وحدها تفسير هذا الواقع القاسي؟ الحقيقة أن جوهر الأزمة يعود إلى الداخل، حيث الاقتصاد يعاني تحت ضغط سوء الإدارة والهدر الواضح في الموارد.
وفي الوقت ذاته تعتمد سياسات الدولة على المواطن كحلقة تمويل لتغطية العجز، بدلًا من أن تنظر إليه كشريك ينبغي دعمه وحمايته.
تبدو الأدوات الحكومية غير فعالة أو جوفاء، في مواجهة الغلاء المتفاقم، فلا التسعير الإجباري أتى بنتائج ملموسة، ولا الرقابة الاقتصادية تركت أثرًا يُذكر.
حتى الوعود الرسمية تبدو واهية، تنهار عند أول اختبار عملي، وفي كل مرة يطلب من المواطن «التحمل» وكأن الصبر على الوضع أصبح عبئًا يوميًا يُلقى على كاهل الشعب دون نقاش.
تعيش الطبقة الوسطى، التي ظلت لعقود عمود التوازن الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، في حالة تآكل بطيء؛ لم تعد قادرة على الحفاظ على مستوى معيشتها القديم أو تحقيق أي نوع من الأمن المالي.
أما الطبقات الفقيرة والمهمّشة، فهي التي تقع تحت عبء الأوضاع الأكثر مأساوية، إذ يُجبر الفرد فيها على التضحية بالحاجات الأساسية وكأنها رفاهيات خارج متناول اليد.
الأكثر خطورة من الأرقام والإحصاءات هو حالة فقدان الثقة؛ عندما يدرك المواطن أن الأسعار بلا سقف يوقفها وأن الدولة تبدو عاجزة عن تقديم حلول جذرية أو التعامل مع تلك الأزمات بجدية، فإن النتيجة هي تهتك الثقة في السياسات الحكومية وعلى مستويات أعمق في مستقبل البلاد بشكل عام.
الحل لا يكمن في المزيد من التبريرات أو الوعود الزائفة؛ ما تحتاجه البلاد اليوم هو رؤية وإرادة حقيقية لتحديد الأولويات الوطنية وإعادة هيكلة الإنفاق بما يخدم المواطن ولا يستنزفه.
ما يلزم حقًا هو تحقيق توازن بين دفع عجلة النمو الاقتصادي وحماية الفئات الأكثر ضعفًا من الأثر السلبي للأزمات.
باختصار.. الغلاء ليس مسألة حتمية لا سبيل للخروج منها؛ بل هو نتيجة مباشرة لخيارات سياسية واقتصادية يمكن تعديلها وتصحيح مسارها إذا ما توفرت الرغبة الصادقة للتغيير.. يبقى السؤال المطروح، هل تمتلك الحكومة هذه الإرادة وتملك الجرأة اللازمة لاتخاذ تلك الخطوة؟














