لم تعد فكرة التقسيط مقتصرة على شراء سيارة، شقة، أو جهاز كهربائي كما كانت في الماضي، بل أصبحت نهجًا يسيطر على حياة المواطنين ويغطي جميع تفاصيلها.
المواطن اليوم لا يقتصر الأمر لديه على شراء احتياجاته الأساسية بالتقسيط، بل أصبحت حياته اليومية، بكل تفاصيلها من مأكل ومشرب وتعليم وعلاج وحتى أحلامه المستقبلية، تعيش تحت وطأة الأقساط.
في وقت سابق، كان الدخل كافيًا لتغطية الاحتياجات الأساسية للأسرة مع ترك مساحة للتخطيط للمستقبل، أما الآن، فقد انقلبت الموازين تمامًا؛ بالكاد يستطيع المواطن تلبية احتياجاته اليومية، أصبح التقسيط قاعدة لا مفر منها بدلاً من كونه خيارًا استثنائيًا.
فاتورة الكهرباء تُرحل إلى الشهر القادم، مصاريف المدارس تُدفع على أقساط، الأجهزة المنزلية لا تُقتنى إلا بالالتزام بالدفع المُجزأ، وحتى الغذاء والملابس والعلاج أصبحت مشمولة في هذا السيناريو المتكرر من الالتزامات المالية.
المواطن الذي كان يحلم في السابق بادخار المال وتأمين مستقبله بات يسعى جاهدًا فقط للمرور من شهر إلى آخر، محاولًا تقليل الخسائر.
الأمر لم يتوقف عند الضروريات فقط؛ حتى الجوانب التي كانت ترتبط بالرفاهية أو الروحانية دخلت تحت رحمة الأقساط.
العطلة الصيفية التي كانت فرصة للاسترخاء أصبحت عبئًا ماليًا يتم سداده على دفعات، والحج والعمرة – تلك الأحلام الروحية التي كان يُنظر إليها برهبة – أُدرجت أيضًا ضمن قائمة الديون طويلة الأجل.
يبدو أن مفهوم السعادة ذاته بات يتم شراؤه بـ«أقساط ميسرة»، ليصبح جزءًا مؤقتًا من حياة مرهونة لمواعيد السداد.
ما يثير القلق أكثر أن هذا النمط أثر على تطلعاتنا وأحلامنا، فأصبح الشباب يخططون لزواجهم عن طريق الدَين، والأسر تُجبر على اعتبار تعليم أبنائها استثمارًا طويل الأجل يلتهم مواردها بالتقسيط، وحتى كبار السن يعيشون في ظل الالتزامات المالية المستمرة التي تشمل دواءهم وعلاجهم.
بدأنا نعيش حياة مؤجلة بأكملها، حيث الراحة مؤجلة والسعادة مؤجلة، ويصبح الأمل الوحيد هو الانتهاء من دفعة قسط واحدة قبل مواجهة الأخرى التالية.
الضغوط المالية التي يخلفها هذا الوضع لا تعد مجرد حمل مادي؛ إنها أشبه بثقل نفسي ينهك الروح ويسرق الفرح، المواطن يشعر بأن الأمان الاقتصادي والاجتماعي أصبح بعيد المنال، وكل ارتفاع في الأسعار يزيد من القلق ويضعف الشعور بالاستقرار.
إذ كيف يتعامل الإنسان مع أزمة مالية عندما تواجهه ظروف صحية طارئة أو حاجة لا يستطيع تجنبها؟ اليوم، يعيش ملايين المواطنين في دائرة مغلقة لا تهدف لتحقيق الرفاهية بقدر ما تسعى للحصول على أبسط مستلزمات الحياة. أُمنياتهم أصبحت متواضعة: تأمين احتياجاتهم الأساسية دون السقوط في دوامة الديون التي لا تنتهي.
المشكلة الكبرى مع الأزمات الاقتصادية هي ما تتركه من آثار مدمّرة على الحالة النفسية للبشر، الضغوط المالية تستنزف الروح قبل أن تستنزف المدخرات.
الأوطان تُقاس قوتها بقدرتها على منح مواطنيها حياة كريمة وثقة بالمستقبل، وهي مسؤولية تتجاوز بناء المشاريع الضخمة إلى معالجة الأعباء اليومية المستمرة للأفراد.
يبدو أن الأسئلة المطروحة الآن في الواقع باتت أكثر قسوة: ليست ماذا أريد أن أشتري؟، بل كيف يمكنني الاستمرار؟، فقد تحول التقسيط الذي كان وسيلة لتحقيق رفاهية معينة إلى تقسيم عُمر بأكمله بين الديون وأحلام معلقة.
وبين تاريخ قسطٍ يُسدد وآخر ينتظر، تمر الأيام وكأن الحياة أصبحت سلسلة متصلة من العيش المؤجل.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا












