ليست مجرد كلمتين عابرتين يقولها شاب يبحث عن مكان يبدأ فيه حياته، وليست طلبًا عاديًا في ملف بين آلاف الملفات.. «عايز شقة» هي صرخة إنسان يريد أن يشعر بالأمان، وأسرة تبحث عن سقف يحميها، وأب يحلم أن يترك لأبنائه عنوانًا ثابتًا لا يتغير.
في السنوات الأخيرة شهدت البلاد مشروعات عمرانية ضخمة، ومدنًا جديدة، ومجتمعات سكنية تمتد في كل اتجاه، مشهد يحمل طموحًا كبيرًا لبناء المستقبل، لكن خلف هذا المشهد هناك سؤال مؤلم يردده كثيرون أين نصيب من لا يملكون ثمن هذا المستقبل؟
الشاب الذي يبدأ حياته براتب محدود، ويحاول وسط أعباء الحياة أن يؤسس أسرة، يجد نفسه أمام وحدات سكنية بأسعار مليونية تفوق قدرته، سواء كان الدفع نقدًا أو من خلال أقساط طويلة، وفي الحالتين يبقى حلم امتلاك شقة بعيدة المنال، وكأن السكن الكريم أصبح حلمًا لا يحق إلا لمن يملك القدرة المالية.
الأمر لا يتعلق فقط بالشباب، فهناك أسر تعيش ظروفًا أكثر قسوة؛ أرامل يحملن مسؤولية أطفالهن وحدهن، أيتام ينتظرون فرصة لحياة أكثر استقرارًا، وحالات إنسانية لا تستطيع الانتظار، لكنها تصطدم أحيانًا بإجراءات إلكترونية لا ترى خلف الأرقام حكايات البشر.
الكمبيوتر الذي يرتب الطلبات ويصدر النتائج لا يعرف دمعة أم تخشى على مستقبل أبنائها، ولا يدرك معاناة أسرة فقدت عائلها، ولا يسمع صوت إنسان يقف خلف ملف يحمل سنوات من الألم والانتظار، فالتعامل مع ملف الإسكان لا يجب أن يتوقف عند حدود البيانات والأرقام فقط، لأن كل طلب وراءه إنسان له ظروفه وقصته.
من هنا تأتي الحاجة إلى نافذة حقيقية لسماع أصحاب الحالات الإنسانية، وإلى آلية واضحة لمراجعة التظلمات والطلبات الاستثنائية، حتى لا يصبح الخطأ الإلكتروني أو عدم تطابق شرط معين سببًا في ضياع حق مستحق، فالتكنولوجيا وسيلة لتنظيم العدالة وليست بديلًا عن البعد الإنساني في القرارات التي تمس حياة المواطنين.
نحن لا نطالب بإلغاء القواعد أو فتح الأبواب بلا ضوابط، فالتنظيم ضرورة، والعدالة تحتاج إلى معايير واضحة، لكن العدالة الحقيقية تكتمل عندما يجد صاحب الظروف القاسية فرصة لعرض حالته، وعندما يكون هناك مجال لتصحيح الأوضاع بدلًا من أن يظل الإنسان أسيرًا لشاشة لا تسمع ولا ترى.
السكن ليس مجرد جدران وسقف، وليس مترًا وسعرًا وقسطًا، السكن هو كرامة، هو إحساس الإنسان بأن له مكانًا آمنًا في وطنه، وأن أحلامه البسيطة ما زالت ممكنة.
«عايز شقة»، قد تبدو جملة قصيرة، لكنها تحمل وجع جيل كامل يبحث عن بداية، وتحمل معها سؤالًا كبيرًا هل يمكن أن يصل العمران إلى الإنسان قبل أن يصل إلى الحجر؟.
نجاح أي مشروع لا يُقاس فقط بعدد الوحدات التي تم بناؤها، بل بعدد الأسر التي وجدت فيها الأمان والاستقرار، وبعدد الأحلام التي تحولت من انتظار طويل إلى حياة حقيقية.












