قضيت 17 عامًا محررًا لشئون مجلس الوزراء بجريدة «الوفد» عاصرت خلالها عددًا من رؤساء الحكومات كان من بينهم قيادات تاريخية تركت بصمات في هذا المنصب في مقدمتهم الدكتور كمال الجنزوري والدكتور عاطف عبيد رحمة الله عليهما.
وعلى الرغم من أن محرر شئون مجلس الوزراء في أي صحيفة خاصة إذا كانت صحيفة كبرى مثل «الوفد» غالبًا ما يكون محررًا سياسيًا.. إلى أنني كنت مهمومًا بقضية التعليم وأخذت هذه القضية جانبًا كبيرًا من اهتماماتي بجانب السياسة بحكم الغريزة والاقتصاد بحكم التخصص.
وأذكر أنني كنت أفضل الحديث عن قضية التعليم في لقاءاتي الخاصة مع رؤساء الوزراء، وكنت أترك السياسة والاقتصاد للتغطية اليومية.. ما زلت أذكر ما دار بيني وبين الدكتور عاطف عبيد في أحد اللقاءات المنفردة.. تحدثت معه أكثر من ساعتين في قضية التعليم وكان ذلك في نادى مجلس الوزراء المطل على نيل القاهرة.. قلت له إن الناس استبشرت خيرًا بتحقيق إصلاح في قضية التعليم بوجود أستاذ جامعي على رأس الحكومة.. إلا أن ما نشاهده على الأرض أقل من الأمنيات.
تحدث الدكتور عاطف بكل صراحة ولخص لي القضية في كلمتين المدخلات والمخرجات.. شرح لي المدخلات من معلمين ومناهج وبنيه تحتية وطلاب وهذه تؤدى في النهاية إلى مخرجات، وأكد في حديثه أهمية الشفافية والعدالة والمشاركة الاجتماعية.. وقال لي في النهاية لا بد أن تدرك أن الإصلاح الشامل للمدخلات هو أمر في غاية الصعوبة.. ربما لا نستطيع إدراكه في المرحلة القريبة بسبب الظروف الاقتصادية.
ومن هنا- والحديث للدكتور عاطف- كانت فكرة مدارس المستقبل التي تبنتها السيدة سوزان مبارك، وأيضا بعض مشروعات المدارس المتميزة مثل مدارس المتفوقين وتعتمد هذه الفكرة على إنشاء مدارس في القاهرة والمحافظات بمدخلات مختلفة تؤدى في النهاية إلى مخرجات مختلفة.. هذه كانت رؤية الرجل.
لكن ما حدث بعد ذلك كان مختلفًا، فقد حققت هذه المدارس نجاحات كبيرة وكان من المفترض- طبقًا لرؤية الدكتور عاطف عبيد- أن يتم التوسع في تطبيق التجربة من بعده كما حدث في عهده وأن هذا التوسع والانتشار هو بداية الإصلاح.. إلا أن ثورة يناير حطمت هذه التجربة وقضت عليها.. ورحل الدكتور عاطف عبيد وأطاحت الثورة بصاحبة التجربة السيدة سوزان مبارك.
عادت مصر إلى هذه التجربة بإنشاء المدارس اليابانية التي فكر فيها وتبناها الرئيس السيسي، ومعها بدأنا تجربة جديدة وهى تجربة المدارس الدولية الحكومية التي شملت اليابانية والـip والـips، وعلى الرغم من النجاح الكبير الذي حققته هذه المدارس حتى الآن.
الا أن غياب الشفافية والعدالة والمشاركة الاجتماعية تلك القواعد والأسس التي تحدث عنها الدكتور عاطف عبيد وأكد عليها في حديثه معي غائبة تمامًا وهو ما يهدد هذه التجربة ويدفع بها إلى النفق المظلم، وهو أمر محزن أن نجهض تجربة ناجحة بأيدينا وأن نقضي على تجربة يرعاها رئيس الجمهورية.. هناك وقائع غير معقولة وغير مقبولة خاصة في عملية القبول سنتحدث عنها في المقال القادم إن شاء الله.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا














