في السياسة لا توجد مساحة تبقى خالية طويلًا، فما إن يغادر أحد موقعه حتى يتقدم غيره ليشغله، وما إن تنسحب الأحزاب من الشارع حتى تتقدم الشائعة لتحتل المشهد، وعندما ينشغل السياسيون بخلافاتهم أو يكتفون بالحديث إلى بعضهم البعض، يضطر المواطن إلى البحث عن تفسير لما يجري في أي مكان آخر، وقد تكون تلك التفسيرات أبعد ما تكون عن الحقيقة.
هذه ليست نظرة متشائمة، بل حقيقة أثبتتها تجارب كثيرة، فالخلاف السياسي، مهما اشتد، يظل جزءًا طبيعيًا من الحياة العامة، ويمكن احتواؤه بالحوار والمؤسسات، أما الفراغ السياسي فهو أكثر خطورة، لأنه يفتح الباب أمام من لا يمتلكون مسؤولية الكلمة ولا يلتزمون بدقة المعلومة، فيتحول الغموض إلى شائعة، والشائعة إلى قناعة لدى البعض.
لقد تغير العالم من حولنا، لم يعد المواطن ينتظر بيانًا رسميًا أو مؤتمرًا صحفيًا ليعرف ما يحدث، فقد أصبح هاتفه المحمول نافذته الأولى على الأحداث، ومن خلاله تتدفق الأخبار والتحليلات والمقاطع المصورة على مدار الساعة.
وبين الصحيح والمغلوط تضيع الحقيقة أحيانًا، لذلك لم يعد السؤال كيف نحارب الشائعات؟ بل أصبح لماذا تركنا لها كل هذه المساحة حتى تتمدد؟
الإجابة تبدأ من السياسة نفسها، فالحزب الحقيقي يقاس بمدى حضوره بين الناس، هو الذي يعرف مشكلات المواطنين قبل أن تتحول إلى عناوين في الصحف، ويشاركهم همومهم اليومية، ويكون حاضرًا في الجامعات والنقابات والقرى والأحياء، لا أن يكتفي بالظهور في المواسم الانتخابية أو المناسبات الرسمية.
السياسة، في معناها الأصيل، ليست منافسة على المناصب، وإنما مسؤولية تجاه المجتمع، وعندما تقوم الأحزاب بهذا الدور، فإنها لا تخدم نفسها فحسب، بل تسهم في ترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتوفر قنوات طبيعية للتعبير عن الرأي، فتضيق مساحة الشائعة لأن الحقيقة تجد من يحملها إلى الناس.
لهذا نرى أن الدول التي تتمتع بحياة سياسية حيوية تكون أكثر قدرة على تجاوز الأزمات، مهما كانت اقتصادية أو إقليمية أو دولية، فهي تمتلك مؤسسات تستوعب التنوع، وأحزابًا تطرح الأفكار، ومجتمعًا اعتاد الحوار بدلًا من الاكتفاء بردود الأفعال.
ولذلك، فإن الانشغال بعدد الأحزاب لم يعد هو القضية، القضية الحقيقية هي ما حجم تأثير هذه الأحزاب في حياة الناس؟ هل يشعر المواطن بأنها قريبة منه؟ هل تقدم برامج قابلة للتطبيق؟ هل تفرز قيادات جديدة تمتلك رؤية وقدرة على الإقناع؟ هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تُطرح.
وربما آن الأوان أيضًا لتغيير زاوية النظر، فبدلًا من تكرار السؤال لماذا ابتعد المواطن عن السياسة؟ يجدر بنا أن نسأل ماذا فعلت السياسة لتقترب من المواطن؟ وكيف يمكن أن تستعيد ثقته وتصبح جزءًا من حياته اليومية، لا مجرد عنوان يراه في نشرات الأخبار؟
عندما يجد المواطن من يستمع إليه، ويشرح له، ويدافع عن مصالحه، فلن يعزف عن المشاركة في الشأن العام، أما إذا بقيت المسافة واسعة بين الأحزاب والشارع، فسيظل الفراغ قائمًا، وسيجد دائمًا من يملؤه، سواء بالحقيقة أو بالوهم.
السياسة، كما علمتنا التجارب، لا تقبل الفراغ، وإذا لم يشغله أصحاب الرؤية والمسؤولية، فسوف يشغله آخرون، وعندها يرتفع الضجيج، بينما تتراجع الحقيقة.












