صدر مؤخرا تقرير «مستجدات آفاق الاقتصاد العالمي» عن صندوق النقد الدولي، متضمناً مراجعة لأداء الاقتصاد العالمي في ضوء تداعيات الحروب والتوترات الجيوسياسية وتسارع التحولات التكنولوجية.
وقد وجه التقرير الى مصر، رسائل تستحق قراءة متأنية؛ فلم يمنح الاقتصاد المصري «شهادة نجاح مطلقة»، كما لم يرسم صورة قاتمة للمستقبل، بل قدم تقييماً يستند إلى الأرقام والوقائع، بما لها وما عليها.
ورفع الصندوق توقعاته لمعدل نمو الاقتصاد المصري خلال عام 2026 إلى 4.6%، مقارنة بـ 4.2% في تقديراته السابقة، في إشارة إلى أن الاقتصاد بدأ يستعيد جانباً من زخمه، رغم الظروف الإقليمية والدولية المعقدة. وفي المقابل، توقع أن يبلغ متوسط التضخم نحو 13.2%، وهو معدل يعكس استمرار الضغوط على الأسعار، وإن كان أقل بكثير من المستويات القياسية التي سجلتها البلاد خلال العامين الماضيين.
وهذه الأرقام، وإن بدت متناقضة للوهلة الأولى، تعكس طبيعة المرحلة التي يمر بها الاقتصاد المصري؛ فمؤشرات النمو تتحسن، لكن آثارها الإيجابية لم تنعكس بعد بالقدر الكافي على حياة المواطنين ومستوياتهم المعيشية.
ويكفي النظر إلى الواقع اليومي للمواطن لفهم هذه المفارقة؛ فالنمو الاقتصادي هو مؤشر كلي يقيس أداء الاقتصاد، لكنه لا يعني بالضرورة تحسن دخل الأسرة أو انخفاض تكلفة المعيشة، فما زالت أسعار الغذاء والدواء والإيجارات والنقل تستحوذ على الجزء الأكبر من دخول ملايين الأسر، في حين لم تواكب الزيادات في الأجور والمرتبات الارتفاع الكبير في الأسعار خلال السنوات الأخيرة.
لذلك يشعر المواطن بأن الاقتصاد يتحسن في التقارير، بينما لا يزال يواجه صعوبة في تلبية احتياجاته الأساسية.
ويرى صندوق النقد أن تحسن النمو يعود إلى استمرار تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، وتحسن أداء قطاعات السياحة والصناعة والخدمات، وتعافي الطلب المحلي، وبدء استعادة القطاع الخاص جانباً من دوره في الاستثمار والإنتاج، إلى جانب استمرار تدفقات التمويل التي ساعدت على تعزيز الاستقرار الاقتصادي.
لكن التقرير لا يغفل الوجه الآخر للصورة، فارتفاع التضخم، وفق تحليل الصندوق، لا يعود إلى زيادة القوة الشرائية للمواطنين أو ارتفاع الطلب الاستهلاكي، وإنما يرجع بدرجة كبيرة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد، وتأثير تحرير سعر الصرف، وزيادة أسعار الطاقة وبعض الخدمات، فضلاً عن ارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين البحري نتيجة اضطرابات البحر الأحمر، وما ترتب عليها من ضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.
وبعبارة أخرى، فإن الاقتصاد ينمو، لكن تكلفة هذا النمو لا تزال مرتفعة بالنسبة للمواطن.
ومن هنا تأتي إحدى أهم رسائل التقرير، والتي قد لا تحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به أرقام النمو. فقد شدد صندوق النقد على أن استمرار الإصلاحات الاقتصادية يجب أن يتزامن مع توسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وتوجيه مزيد من الدعم للفئات الأكثر تأثراً بارتفاع الأسعار، حتى لا تتحمل الشرائح محدودة ومتوسطة الدخل العبء الأكبر لعملية الإصلاح الاقتصادي.
وهذه ليست إشارة عابرة، بل تمثل ركناً أساسياً في رؤية الصندوق؛ فالإصلاح المالي والنقدي، مهما بلغت أهميته، لا يحقق أهدافه كاملة إذا أدى إلى اتساع الضغوط الاجتماعية أو تآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
ومن ثم، فإن نجاح الإصلاح لا يقاس فقط بتحسن المؤشرات الكلية، وإنما أيضاً بقدرته على حماية الفئات الأكثر هشاشة أثناء مرحلة التحول الاقتصادي.
وربما يكون التحدي الأكبر أمام الحكومة خلال المرحلة المقبلة هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة ثمار الإصلاح، فالمطلوب لم يعد فقط الحفاظ على استقرار سعر الصرف أو خفض عجز الموازنة، وإنما ضمان وصول ثمار النمو إلى الطبقة الوسطى ومحدودي الدخل، سواء عبر تحسين الأجور، أو تخفيف الأعباء الضريبية، أو توسيع برامج الدعم النقدي، أو تشجيع المشروعات الصغيرة القادرة على خلق فرص عمل حقيقية، فالتجارب الدولية تؤكد أن الإصلاح الاقتصادي يكتسب شرعيته الشعبية عندما يلمس المواطن أثره في حياته اليومية.
كما يلفت التقرير إلى أن الاقتصاد المصري لا يزال يعمل في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. فاستمرار التوترات في المنطقة، واضطراب الملاحة في البحر الأحمر، وتراجع إيرادات قناة السويس، وتقلب أسعار الطاقة والغذاء عالمياً، كلها عوامل تفرض ضغوطاً لا ترتبط بالسياسات الداخلية وحدها، وإنما بمتغيرات خارجية يصعب التحكم فيها.
ورغم ذلك، يرى الصندوق أن استمرار الإصلاحات الهيكلية، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحسين بيئة الاستثمار، والحفاظ على مرونة سعر الصرف، والانضباط المالي، تمثل جميعها عناصر ضرورية لضمان استدامة النمو وتحويله إلى فرص عمل وإنتاج ودخول أعلى.
كما أن هناك فرصة حقيقية أمام الاقتصاد المصري للاستفادة من التحسن المتوقع في معدلات النمو إذا نجحت الدولة في تحويل هذا النمو إلى إنتاج وتصدير، وليس مجرد نمو مدفوع بالإنفاق أو التمويل.
الاقتصادات القوية هي التي تعتمد على الصناعة والزراعة والتكنولوجيا وزيادة الصادرات، بما يضمن توفير عملة أجنبية مستدامة، وخلق وظائف مستقرة، وتقليل الاعتماد على الاقتراض الخارجي، وهذه هي المرحلة الأصعب في أي برنامج إصلاح اقتصادي، لكنها أيضاً المرحلة التي تحدد نجاحه أو تعثره.
والحقيقة أن قراءة التقرير بعيداً عن المبالغة أو التهوين تقود إلى نتيجة واضحة؛ فمصر حققت تقدماً ملموساً في عدد من المؤشرات الاقتصادية الكلية، وهو أمر لا يمكن إنكاره، لكن هذا التقدم لم ينعكس بعد بصورة كافية على حياة المواطنين، الذين لا يزالون يواجهون ضغوطاً معيشية حقيقية بفعل ارتفاع الأسعار.
ومن ثم، فإن النجاح الحقيقي لن يقاس فقط بارتفاع معدل النمو أو تحسن المؤشرات المالية، وإنما بقدرته على كبح التضخم، ورفع مستويات المعيشة، وخلق فرص عمل منتجة، وتحقيق شعور المواطن بأن ثمار الإصلاح بدأت تصل إليه.
لقد حمل تقرير صندوق النقد رسالة تستحق التوقف أمامها: نعم، هناك تقدم حقيقي في مسار الاقتصاد المصري، لكن هذا التقدم لن يكتمل إلا إذا اقترن بعدالة اجتماعية أوسع، وسياسات حماية أكثر فاعلية للفئات التي دفعت، ولا تزال تدفع، الجزء الأكبر من فاتورة الإصلاح الاقتصادي.
فالاقتصاد لا ينجح حين تتحسن المؤشرات فقط، بل حين يشعر المواطن البسيط أن حياته أصبحت أفضل، وأن سنوات الصبر والتقشف بدأت تؤتي ثمارها.
عندها فقط يمكن القول إن الإصلاح لم ينجح في دفاتر الاقتصاد وحدها، بل نجح أيضاً في كسب ثقة الناس، وهي الثروة الحقيقية التي لا تقل أهمية عن أي مؤشر مالي أو معدل نمو.
وختاما فقد تختلف الحكومات مع صندوق النقد في بعض السياسات، وقد يختلف المواطن مع الصندوق في كثير من وصفاته، لكن هذه المرة جاءت الرسالة واضحة من الطرفين: الإصلاح الاقتصادي لا يكتمل إلا إذا شعر المواطن بثماره.
الأرقام وحدها لا تُطعم جائعًا، ولا تخفف عبء أسرة، ولا تبني ثقة بين الدولة ومواطنيها. ولهذا، فإن أفضل استجابة لتقرير الصندوق ليست الاحتفاء بارتفاع معدل النمو، بل الإسراع بتحويل هذا النمو إلى حياةٍ أفضل للمصريين… فذلك وحده هو النجاح الحقيقي للإصلاح.
للمزيد من مقالات الكاتب اضغط هنا













