الحصول على شقة سكنية في مصر حلم صعب المنال، بعدما تحول إلى معركة يخوضها المواطن أعوامًا طويلة، وفي كثير من الأحيان تنتهي بالهزيمة.
باتت ملايين الأسر عاجزة عن شراء وحدة سكنية، في ظل الارتفاع غير المسبوق في أسعار العقارات، وأصبح الأمل معلقًا على مشروعات الإسكان الحكومية باعتبارها الملاذ الأخير لمن ضاقت بهم السبل.
وهذا الأمل أيضا كثيرًا ما يصطدم بالواقع، فمرة تقف الأسعار حائلًا أمام محدودي الدخل. ومرة تقف الاشتراطات، ومرة أخرى تحسم قرعة إلكترونية مصير آلاف الأسر، وكأن السكن أصبح جائزة يفوز بها البعض ويغادرها الآخرون، لا حقًا أصيلًا لمن يفتقدون المأوى.
وظهر نظام الإيجار التمليكي ليبعث شيئًا من التفاؤل، باعتباره صيغة تتيح للمواطن امتلاك مسكنه من خلال أقساط شهرية في صورة إيجار ينتهي بالتملك بعد عشرين عامًا.
هذا المشروع، رغم أهميته، فقد جانبًا كبيرًا من فلسفته الاجتماعية عندما اقتصر على عدد محدود من الوحدات. وفرض شروطًا استبعدت فئات هي الأكثر احتياجًا إلى الاستقرار.
كيف يمكن حرمان أرملة تجاوزت الخامسة والأربعين من فرصة الحصول على مسكن؟ وكيف يتم استبعاد شخص متقاعد كرّس حياته لخدمة وطنه ولم تسمح له الظروف بامتلاك شقة تؤويه في سنواته الأخيرة؟
هؤلاء لا يطلبون امتيازات، ولا يبحثون عن رفاهية، وإنما يسعون إلى أبسط حقوق الإنسان.. بيت آمن يحفظ الكرامة ويصون ما تبقى من العمر.
الدولة تمتلك اليوم قواعد بيانات دقيقة، وتعرف من يستحق الدعم ومن لا يستحقه. ولذلك لم يعد من المقبول أن تظل هذه الفئات رهينة قرعة إلكترونية لا ترى حجم المعاناة، ولا تقيس سنوات الحرمان. ولا تفرق بين مستثمر يبحث عن فرصة، ومواطن يبحث عن مأوى.
المقصود ليس إلغاء القواعد، بل تخصيص مسار إنساني واضح للأرامل والمطلقات وكبار السن وأصحاب المعاشات وغيرهم من الفئات الأكثر حاجة للرعاية، يجب منحهم أولوية حقيقية في جزء من المشروعات السكنية التي تنفذها الدولة في مختلف المحافظات.
العدالة الاجتماعية لا تتحقق بتطبيق قاعدة واحدة على الجميع، وإنما بإعطاء الأولوية لمن هم أشد احتياجًا.
إن مشروع «حياة كريمة» لم يقم فقط على تطوير الطرق والمرافق. بل انطلق من فكرة أن المواطن يستحق حياة أكثر أمنًا واستقرارًا.
ولا يمكن أن تكتمل هذه الفلسفة إذا ظل آلاف المواطنين يقضون سنواتهم الأخيرة في مطاردة شقة أو البحث عن إيجار يلتهم معظم معاشهم.
السكن ليس رفاهية، وليس منحة، وليس جائزة حظ يفوز بها من تبتسم له القرعة. السكن هو أول أبواب الحماية الاجتماعية، وأول معاني الكرامة الإنسانية.
وكل سياسة إسكانية لا تضع الإنسان الأكثر احتياجًا في مقدمة أولوياتها، تحتاج إلى مراجعة. لأن الوطن الذي يبني ملايين الوحدات قادر أيضًا على أن يمنح الأكثر احتياجًا منها نصيبًا يليق بإنسانيتهم.












