دعونا نتحدث بصراحة.. وبعيدًا عن البيانات الرسمية والعبارات المنمقة التي عادة ما تُقال عندما يثور الناس حول قضية ما.
القضية ليست في جامعتي سان بطرسبرج وكازان الروسيتين، وليست في التعليم الروسي، وليست في أن يكون للطالب المصري أكثر من فرصة لدراسة الطب.
القضية في الـ50%! كيف يمكن أن يصبح الحصول على 50% في الثانوية العامة مدخلًا إلى دراسة الطب؟
وأنا هنا لا أتحدث عن طالب حصل على 95% أو 98% أو 99% ثم اختار أن يدرس الطب في هذه الجامعات، فليس لدي مشكلة معه إطلاقًا.
أنا أتحدث عن طالب حصل على 50% فقط. وتقول القواعد المعلنة إن على المتقدم أن يجتاز اختبارًا في اللغة الإنجليزية واختبارًا في الأحياء.
حسنًا.. إذا كان الطالب متميزًا إلى هذا الحد في اللغة الإنجليزية، فمن الطبيعي أن نسأل: لماذا لم يظهر هذا التميز في نتيجته في الثانوية العامة؟
وإذا كان متميزًا في الأحياء وقادرًا على اجتياز اختبار يؤهله لدراسة الطب، فلماذا لم يظهر هذا التفوق في نتيجته المدرسية؟
لو كان الحد الأدنى 75% مثلًا، لقلنا: ربما حصل الطالب على درجات إضافية في اختبارات القبول، وربما تعوض بعض أوجه القصور في نتيجته المدرسية.
لكن 50%؟ هنا يصبح السؤال مشروعًا.
وإذا كانت النية فعلًا هي اكتشاف الطالب القادر على دراسة الطب بعيدًا عن مجموع الثانوية العامة، فلماذا لا تكون هناك شروط علمية واضحة ومحددة؟
لماذا لا يُقال مثلًا: يشترط الحصول على 90% أو 95% في اللغة الإنجليزية، و95% في الأحياء، أو في مجموعة المواد العلمية المؤهلة لدراسة الكليات الطبية؟
عندها سنقول: هناك معيار.
هناك مستوى علمي محدد.
هناك طالب لم يوفق في الثانوية العامة، لكنه أثبت في المواد التي يحتاجها الطبيب أنه يمتلك المستوى المطلوب.
أما أن يكون المدخل هو 50%، ثم نقول للطالب: تعال واجتز اختبارًا في الإنجليزية والأحياء، فهنا يبقى السؤال قائمًا: هل نحن أمام معيار علمي جديد لاختيار طالب الطب، أم أمام محاولة لتغيير معنى التفوق نفسه؟ وبطرق غير شفافة؟
وأنا هنا أصل إلى النقطة التي أراها أخطر وأعمق من قضية الجامعتين.
لقد ظللنا سنوات نسمع من يقول: كيف يمكن لمن حصل على 50% في الثانوية العامة أن يلتحق بإحدى الكليات التي تقبل هذا المجموع، مع اشتراطات بدنية ورياضية، ثم يصبح في يوم من الأيام صاحب سلطة وقرار على مجتمع كامل، بكل مستوياته وفئاته وأطيافه، من أطباء ومهندسين وأساتذة جامعات حصلوا على 95% و98% و99%؟
وكانت الإجابة دائمًا أن لكل مجال شروطه.
وأنا أتفق مع ذلك. تمامًا أتفق.
فلكل تخصص متطلباته
الطبيب له متطلبات.
والمهندس له متطلبات.
والمحامي له متطلبات.
والصحفي له متطلبات.
والمحاسب له متطلبات.
ولا ينبغي أن نخلط الزيت بالماء.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول اختلاف التخصصات إلى مكايدة بين أصحاب التخصصات.
وهنا أقولها بصراحة شديدة: هل أصبح المنطق: أنتم دخلتم بعض الكليات بـ50%، إذن سنجعل الأطباء أيضًا يدخلون بـ50%؟ هل هذه هي العدالة؟
أم أن هذا هو ما يمكن أن نسميه، على سبيل السخرية، «كيد نساء»؟
يعني: إذا كان أحد قد دخل من الباب بهذا الرقم، فلماذا لا ندخل الآخر من الباب نفسه؟ إذا كان هذا هو التفكير، فنحن لا نبني دولة. نحن فقط ننقل الخلاف من مكان إلى مكان. ونخفض سقف الجميع بدلًا من أن نرفع مستوى الجميع.
والغريب أن القضية هنا ليست قضية تعظيم كلية الطب، ولا تحقير الكليات التي تقبل بهذا المجموع المتدني.
أنا أرفض الاثنين معًا.
لا يجوز أن نقول إن الطبيب أفضل من خريج أي كلية تقبل بهذا المجموع لمجرد أنه حصل على مجموع أعلى.
ولا يجوز أن نقول إن خريج هذه الكليات أفضل من الطبيب. لكل منهما دوره.
الطبيب مهمته الأساسية أن ينقذ الإنسان ويعالجه ويحاول أن يرد إليه صحته وحياته.
هناك اختلاف في الوظيفة، وليس تفاضلًا في قيمة الإنسان.
وكذلك الفلاح ليس أقل من الطبيب.
والمعلم ليس أقل من المهندس.
والعامل ليس أقل من الضابط.
والصحفي ليس أقل من المحامي.
قيمة الإنسان ليست في المسمى الذي يحمله، وإنما في قدرته على أداء الدور الذي اختاره أو أُسند إليه بكفاءة وأمانة.
وكل إنسان مجموعة من القدرات.
هذا لديه عقل تحليلي.
وهذا لديه قدرة بدنية.
وهذا لديه حس إنساني.
وهذا لديه قدرة على القيادة.
وهذا لديه موهبة في الكتابة.
وهذا لديه قدرة على الحساب.
وهذا لديه مهارة في الصناعة.
والدولة العاقلة لا تحاول أن تجعل الجميع نسخة واحدة.
بل تفعل العكس تمامًا: تكتشف موهبة كل إنسان، ثم تضعه في المكان الذي يستطيع أن يعطي فيه أفضل ما لديه. وهذا هو سر المؤسسات الناجحة في العالم.
ليس أن المدير يعرف كل شيء. ولا أن مؤسسة واحدة تسيطر على كل شيء.
ولكن أن كل شخص يؤدي وظيفته، وكل مؤسسة تؤدي وظيفتها، وكل تخصص يحترم التخصص الآخر.
أما أن يصبح الحل هو أن نخفض المعايير حتى لا يشعر أحد بأن أحدًا أفضل منه، فهذه ليست عدالة. هذه كارثة في مفهوم العدالة نفسه.
وأنا لا أتهم جامعتي سان بطرسبرج وكازان بأن لديهما مشروعًا معينًا من تلقاء نفسيهما.
لكنني أتساءل: لماذا لا تطبق الجامعتان في مصر، إذا كان الأمر متعلقًا فعلًا بمعيار أكاديمي بحت، المعايير نفسها المطبقة على الطالب الروسي في بلده الأصلي؟
لو كان الطالب المصري سيخضع للمعايير ذاتها، والشروط ذاتها، والاختبارات ذاتها، ونظام القبول ذاته المطبق على نظيره الروسي، لما وجد أحد سببًا للاعتراض.
أما أن يكون هناك نظام مختلف للقبول هنا، فهنا يصبح السؤال مشروعًا، ويصبح من حق المجتمع أن يعرف: لماذا؟
القضية هي.. ما الذي نفعله بمعايير الاختيار؟
أننا لا نريد اتهام أحد، وإنما لأن المعايير الواضحة والشفافية هما وحدهما القادران على تبديد الشكوك.
فالطبيب في النهاية لن يعالج «مجموع الثانوية العامة»، سيعالج إنسانًا.
لن يدخل غرفة العمليات ومعه شهادة الـ50% أو الـ90%. سيدخل ومعه علمه، وتدريبه، وخبرته، وضميره.
ولهذا يجب أن يكون السؤال: من يدخل كلية الطب؟ ومن يتخرج منها؟ ومن يُسمح له بممارسة المهنة؟ وبأي معيار؟ هذه الأسئلة لا تحتمل المجاملة. ولا تحتمل الكيد.
الدولة القوية لا تُنزل المتفوق إلى مستوى الأقل تفوقًا، وإنما ترفع الأقل إلى مستوى المتفوق.
هذه هي القضية كلها.
ارفعوا مستوى التعليم.
ارفعوا مستوى القبول.
ارفعوا مستوى التدريب.
ارفعوا مستوى الخريج.
لكن لا تجعلوا شعارنا: إذا كان فلان قد دخل بـ50%، فلماذا لا يدخل فلان أيضًا بـ50%؟ لأن السؤال الصحيح ليس: «لماذا يكون هذا أفضل من ذاك؟»، بل: «كيف نجعل الاثنين أفضل؟»
فمصر لا تحتاج إلى أن يتساوى أبناؤها في أرقام الشهادات.
مصر تحتاج إلى أن يتساووا في تكافؤ الفرص، وعدالة المعايير، واحترام التخصص، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وإلا فإننا سنظل نخفض السقف..
ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا لم تعد مصر إلى المكان الذي تستحقه؟











